ببقاء السماوات والأرض، وإنما إرادته مطلقة وإنما كان هذا التعبير تأكيدًا لمعنى الخلود، على مجرى عبارات العرب في تأكيدهم للبقاء بأمر ظاهر البقاء عادة.
وقوله: (إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ) ذكرنا ما قيل فيه، وقلنا إن المختار عندنا إنه بيان لمشيئة اللَّه التي لَا يقيدها شيء فلا حتم عليه، وإذا كان قوله في أهل النار: (إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لما يُرِيدُ) يؤيد معنى المشيئة، فقوله تعالى: (عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ)، يؤيد المشيئة المطلقة هنا؛ لأن العطاء لَا إلزام فيه، وقوله تعالى: (غَيْرَ مَجْذُوذٍ) ومعناه مخير مقطوع بل هو دائم، والله أعلم.
وإذا كانت هذه الأقوام الماضية قد نزل بها ما نزل، وإن المشركين لَا يترقبون مثلها، فتأس بالأنبياء من قبلك، واصبر كما صبروا، ولذا قال تعالى:
(فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلَاءِ مَا يَعْبُدُونَ إِلَّا كَمَا يَعْبُدُ آبَاؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ (١٠٩)
(الفاء) تصل الكلام بما قبله، وهو مترتب على القصص السابقة والجزاء الذي أعده الله تعالى للأشقياء والسعداء، والفاء للإفصاح عن شرط مقدر مؤداه إذا كان ما علمت من قصص لعبدة الأوثان وأنبيائهم، وما نزل بالمشركين، فلا تك في شك من بطلان ما يعبد هؤلاء، وأصلها تَكُن، وحذفها كثير في القرآن الكريم، وهو يعطي اللفظ جمالا في النسق والنغم وحلاوة في اللفظ، وتلك خصائص القرآن الكريم، وقوله: (فِي مِرْيَةٍ) أي شك يدفع إلى الراء، والمجادلة، والنهي هنا والحال أن ذلك لَا يتصور منه، فهو بالنسبة له - ﷺ - أمر غير متصور الوقوع منه - ﷺ - وللنهي فائدتان:
الفائدة الأولى: أنه نهي لمن يقرءون القرآن، فهو نهي في ظاهره للنبي - ﷺ -، وفى حقيقته لكل أتباع محمد، وكل من يخاطبون بالقرآن، وهو اقتلاع لجذور الشك من النفس.


الصفحة التالية
Icon