وقوله (لَيُوَفِّيَنَّهُمْ) فيه توكيد للوفاء، وهو القسم فكأنه تأكد الكلام باللامين، وبالقسم وبنون التوكيد الثقيلة، وأكد أيضا بالتعبير بـ (رَبُّكَ) أي الذي خلقك، وخلقهم، وقام على هذا الوجود، وإذا كان هذا الخالق الحي القيوم هو الذي يعد بالتوقيه، فإنها واقعة لَا محالة.
وقو له (أَعْمَالَهُمْ)، أي جزاء أعمالهم، ولكنه سبحانه حذف الجزاء، وأضاف الجزاء إلى الأعمال للإشارة إلى أن الجزاء وفاق العمل، فكأنهما شيء واحد، إذ يكون عادلا تمام العدل، يوم تجد كل نفس عملها محضرا، وإن العدل الحقيقي يقتضي المساواة بين العمل والجزاء، ويقتضي العلم، وقد أشار إلى العدل بالمساواة دين الجزاء والعمل حتى كأنه هو، وصرح بالثاني في قوله (إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبيرٌ) الضمير يعود إلى اللَّه الذي تذكره القلوب، ولا تنساه، و (خَبِيرٌ) معناه، عالم علص ادقيقا لَا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، يعلم ما تكسبه الجوارح، وما يجول في الأفئدة. إنه سميع بصير.
(فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٢)
(فاسْتَقِمْ) السين والتاء للطلب، أي اطلب إقامة الدين، وحفظ جوارحك الظاهرِة والباطنة في دائرة القيام به، وإدراك غاياته ومراميه، وقوله تعالى: (كَمَا أُمِرْت) الكاف للتشبيه والمعنى اجعل أعمالك ومرام نفسك وقلبك كما أمرت أي كما أنزل اللَّه تعالى، وبني للمفعول لأن الفاعل معلوم حاضر في الذهن دائما، ولأن الاستقامة توجب اتباع الأوامر في ذاتها (وَمَن تَابَ مَعَكَ)، فقوله تعالى: (وَمَن تَابَ مَعَكَ) معطوفة على الضمير في استقم، وإنما جاز النطق على الضمير المستتر في الخطاب من غير أن يؤكد بالضمير البارز للفصل بين المعطوف والمعطوف عليه، وهو بقوله تعالى: (كَمَا أُمِرْتَ)، فيكون عدم إبراز ضمير الخطاب مناسبا للنسق.
وإن الاستقامة هي غاية الكمال الديني؛ لأنها القصد إلى الهدف الأسمى، ولانها روح الإسلام وغايته، وقد قال بعض الصوفية: إن الاستقامة هي مطلب