والسبب الثاني - أن اللَّه تعالى ذكر متعة النظر والبهجة، وطيب النعمة في آية أخرى، فقال تعالى: (أَثَاثًا وَمَتَاعًا)، أي يتخذون من الأصواف والأوبار والأشعار أثاثا وزينة، والزينة ليست حراما، كما قال تعالى: (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ...).
ولعله مما يرشح لهذا المعنى ويقويه تعالى: (إِلَى حِينٍ)، أي أن ذلك الاستمتاع بهذه النعم، وخصوصا الأثاث والمتاع إلى حين حتى يجيء وعد اللَّه تعالى فيكون الحساب والعقاب والثواب.
كما أن البيوت تتخذ من الآجر والأحجار، ومن الأصواف والأوبار والأشعار والجلود تتخذ أيضا أكنان من الجبال ولذا قال تعالى:
(وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ (٨١)
واللَّه سبحانه وتعالى (جَعَلَ) بمعنى صيَّر، بأن خلق لنا أشجارا تظل الناس في الحرور، وبيوتا يكون ظلها دافعا لوهج الشمس وفي الصحارى تجد الأشجار المظلة، والسحاب المطل، وقال سبحانه وتعالى مما خلق، ولم يذكر شيئا بعينه؛ لأن أنواع ما خلق وكان منه الظلال كثيرة، فالجنات تتفيأ ظلالها بالغدو والآصال والبيوت فيها ظلال، لمن يكون بجوارها، والغمام يكف وهج الشمس وحرارتها، والسحاب تظلل، والنبي - ﷺ -، وهو في رحلته إلى الشام كانت السحاب تظله في سيره، وحيثما انتقل انتقلت معه، وإن هذه الظلال نعمة من اللَّه تعالى في أرض صحراوية جدباء لَا ماء يرطب جوها، ولا نسيم عليل يطفئ حرها؛ ولذلك كانت من نعم اللَّه التي أنعم بها على سكانها الذين آتاهم اللَّه تعالى مع ذلك جلدًا وقوة احتمال، فكانت هذه نعما أنعم اللَّه بها عليهم ليستطيعوا أن يعيشوا وأن ينعموا في خيراتها.
وإن هذه ظواهر طبيعية قد يقول قائل: ما النعمة فيها؟، ونقول في الجواب عن ذلك: إنها نعم تغمرنا وتغمر سكان الصحارى ولا يحسون، ولكن إذا


الصفحة التالية
Icon