وقد قال البيضاوي في معنى (أَعْرَضْتُمْ): اتسعتم، أي صرتم في سعة بعد ضيق واستشهد بقول ذي الرمة:
عطاء فتى يمكّن في المعالي | فأعرض في المكارم واستطالا |
هذا، وإن السير بالمراكب في البحار أمر شديد أو كان شديدا جدا في العصر الأول، وكان يدفع للإيمان إذا كانت النفس مدركة، ويروى أنه عند الفتح الإسلامي لمكة نفر ناس من أن يخضعوا لحكم النبي - ﷺ - وهربوا وركبوا الفلك إلى الحبشة ومنهم عكرمة بن أبي جهل، فركب البحر، فجاءتهم ريح عاصف فقال القوم بعضهم لبعض: إنه لَا يغني عنكم إلا أن تدعوا اللَّه وحده، فقال عكرمة في نفسه: واللَّه إن كان لَا ينفع في البحر غيره، اللهم لك على عهد لئن أخرجتني منه لأذهبن فلأضعن يدي في يد محمد، فلأجدنه رءوفًا رحيما، فخرجوا من البحر فرجع إلى رسول اللَّه - ﷺ -، فأسلم وحسن إسلامه.
وإذا كانوا قد أعرضوا بعد أن زالت عنهم شدة البحر، فإن اللَّه يذكرهم، وهو العليم الحكيم أنه ينزل بهم الشدة في البر أيضا، إذ هم في قبضة الله تعالى فيقول:
(أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا (٦٨)
(الفاء) عاطفة على فعل محذوف تقديره أنجوتم فأمنتم.... والهمزة للاستفهام الإنكاري بمعنى إنكار الواقع، لأنهم زعموا أنهم إذ نجوا أمنوا الخسف في الأرض، أو الريح الحاصب من السماء.
وإذا كانوا كذلك فهذا توبيخ لهم على هذا الغرور وظنهم الآمن المطلق بعد النجاة من البحر، وهكذا الغرور دائما تحكمه الساعة التي يكون فيها، وهي التي توحي إليه بالغرور.