منها الرَّحِم، وعلى الأول يكون المعنى خيرا منه طهارة، وأقرب رحمة، أي أدنى إلى الرحمة والبر من هذا الذي يرهقهما طغيانا وكفرا، وعلى الثاني أقرب رحما، أي أوصل لرحمه، وأحفظ لحق الأبوة، فيكون منه الطهارة والبر بهما، فلا يكون كفر وشرك، ولا طغيان عليهما، ويكون قد دبر لهما اللَّه بالولد الذي لَا يرجى منه خير من يرجى خيره وبره وصلته الرحم، ويلاحظ أن الأوصل رحما لَا يكون بره لأبويه فقط، بل يكون لأسرته كلها لهما، ولمن يتفرع منهما أو من أجدادهما.
بعد ذلك أجاب عن الجدار، ولماذا أقامه؟
(وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا (٨٢)
الغلامان كانا صغيرين كما يدل على ذلك وصفهما باليتم، فإنه لَا يُتم بعد البلوغ إلا أن تكون آفة في العقل أو النفس، واللفظ يطلق على ظاهر ما لم يقم دليل يوجب تحويله عن الحقيقة إلى المجاز، وإطلاق اليتم على البالغ مجاز، ولقد قال ابن عباس في هذا المجاز الرجل يتيم ما لم يرشد ولو بلغ الأربعين، ولكن ذلك مجاز لَا حقيقة.
(وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا) الأب هو الأب القريب؛ لأنه لَا يكون يتيما إلا إذا كان قد فقد الأب القريب، ولا يكون الصلاح ممتدا إلى الأبناء كما تشير الآية إلا إذا كان الولد صبيا، كما قال النبي - ﷺ -: " إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، وعلم ينتفع به، وولد صالح يدعو له " (١) فصلاح الأبناء ينسحب خيرا للآباء، وكذلك صلاح الآباء.
وكان تحت هذا الجدار كنز لهما، وَرثَاه عن أبيهما الصالح فيما يظهر، والكنز المال الكثير المدفون في باطن الأرض بدفن الإنسان، وهذا الكنز مضيع إن
________
(١) سبق تخريجه.