ولو وَجب أنْ يكون معنى قوله: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ فإذا ألَّفناه فاتبع ما ألَّفنا لك فيه - لوجب أن لا يكون كان لزِمه فرضُ ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ ولا فرضُ ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ [سورة المدثر: ١، ٢] قبل أن يؤلَّف إلى ذلك غيرُه من القرآن. وذلك، إنْ قاله قائل، خروجٌ من قول أهل المِلَّة.
وإذ صَحَّ أن حكم كلّ آية من آي القرآن كانَ لازمًا النبيَّ ﷺ اتباعُه والعملُ به، مؤلَّفة كانت إلى غيرها أو غيرَ مؤلَّفة -صحّ ما قال ابن عباس في تأويل قوله: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ أنه يعني به: فإذا بيَّناه لك بقراءتنا، فاتبع ما بيناه لك بقراءتنا- دون قول من قال: معناه، فإذا ألَّفناه فاتَّبع ما ألفناه.
وقد قيل إن قول الشاعر:
ضَحَّوْا بِأَشْمَطَ عُنْوانُ السُّجُودِ بِه | يُقَطِّع الَّليلَ تَسْبِيحًا وقُرْآنَا (١) |
فإن قال قائل: وكيف يجوز أن يسمى "قرآنًا" بمعنى القراءة، وإنما هو مقروء؟
قيل: كما جاز أن يسمى المكتوب "كتابًا"، بمعنى: كتاب الكاتب، كما قال الشاعر في صفة كتاب طَلاقٍ كتبه لامرأته:
تُؤَمِّل رَجْعةً مِنّى، وفيها | كِتابٌ مثلَ ما لَصِق الغِرَاءُ (٢) |
(٢) لم أجد هذا البيت في شيء من المراجع التي بين يدي. وتنصب "مثل" على أنه بيان لحال المفعول المطلق المحذوف، وتقديره: "كتاب لاصق لصوقًا مثل ما لصق الغراء"