القول في تأويل قوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ﴾
قال أبو جعفر: يعني بذلك جل وعز: ومثل الذين ينفقون أموالهم، فيتصدقون بها، ويُسبِّلُونها في طاعة الله بغير منٍّ على من تصدقوا بها عليه، ولا أذى منهم لهم بها، ابتغاء رضوان الله وتصديقًا من أنفسهم بوعده = (كمثل جنة).
* * *
و"الجنة": البستان. وقد دللنا فيما مضى على أن"الجنة" البستان، بما فيه الكفاية من إعادته. (١).
* * *
= (برَبْوة) والرَّبوة من الأرض: ما نشز منها فارتفع عن السيل. وإنما وصفها بذلك جل ثناؤه، لأن ما ارتفع عن المسايل والأودية أغلظ، وجنان ما غلُظ من الأرض أحسنُ وأزكى ثمرًا وغرسًا وزرعًا، مما رقَّ منها، ولذلك قال أعشى بني ثعلبة في وصف روضة:
مَا رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الحَزْنِ مُعْشِبَةٌ | خَضْرَاءُ جَادَ عَلَيْهَا مُسْبِلٌ هَطِلُ (٢) |
(٢) ديوانه: ٤٣، وسيأتي هو والأبيات التي تليه في التفسير ٢١: ١٩ (بولاق)، من قصيدته البارعة المشهورة. يصف شذا صاحبته حين تقوم:
إِذَا تَقُومُ يَضُوعُ المِسْكُ أَصْوِرَةً | وَالزَّنْبَقُ الوَرْدُ مِن أَرْدَانِهَا شَمِلُ |
مَا رَوْضَةٌ مِن رِيَاضِ الحَزْنِ مُعْشِبَةٌ | خَضْرَاءُ جَادَ عَلَيْها مُسْبِلٌ هَطِلُ |
يُضَاحِكُ الشَّمسَ مِنْهَا كَوْكَبٌ شَرِقٌ | مُؤَزَّرٌ بعَميم النَّبْتِ مُكْتَهِلُ |
يَوْمًا بِأَطْيَبَ منها نَشْرَ رَائِحَةٍ | وَلا بِأَحْسَنَ مِنْهَا إِذْ دَنَا الأُْصُلُ |
مؤزر: قد صار عليه النبات كالإزار يلبسه اللابس، تغطى الخضرة أعواده. ونبت عميم: ثم وطال والتف.
واكتهل النور: بلغ منتهى نمائه، وذلك أحسن له. يقول:
ما هذه الروضة التي وصف زهرها ونباتها ما وصف | بأطيب من صاحبته إذا قامت في أول يومها، حين تتغير الأفواه والأبدان من وخم النوم. |