واختلف أهل التأويل في الوقت الذي قال من قال لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إن الناس قد جمعوا لكم".
فقال بعضهم: قيل ذلك لهم في وجههم الذين خرجوا فيه مع رسول الله ﷺ من أحد إلى حمراء الأسد، في طلب أبي سفيان ومن معه من المشركين.
ذكر من قال ذلك، وذكر السبب الذي من أجله قيل ذلك، ومن قائله:
٨٢٤٣- حدثنا محمد بن حميد قال، حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم قال: مرَّ به -يعني برسول الله صلى الله عليه وسلم- معبدٌ الخزاعيّ بحمراء الأسد= وكانت خزاعة، مسلمُهم ومشركهم، عَيْبةَ نصح لرسول الله ﷺ بتهامة، (١) صفقتهم معه، (٢) لا يخفون عليه شيئًا كان بها، =ومعبد يومئذ مشرك= فقال: والله يا محمد، أما والله لقد عزَّ علينا ما أصابك في أصحابك، ولوددنا أن الله كان أعفاك فيهم! (٣) ثم خرج من عند رسول الله ﷺ بحمراء الأسد، (٤) حتى لقي أبا سفيان بن حرب ومن معه بالرَّوحاء، قد أجمعوا الرجعة إلى رسول الله ﷺ وأصحابه، وقالوا: أصبنا! حَدَّ أصحابه وقادتهم وأشرافهم، ثم نرجع قبل أن نستأصلهم؟! (٥) لنَكرَّن على بقيَّتهم، فلنفرغنَّ منهم". فلما رأى أبو سفيان معبدًا
(٢) الصفقة: البيعة، ثم استعملت في العهد والميثاق، وفي الحديث: "إن أكبر الكبائر أن تقاتل أهل صفقتك"، وذلك إذا أعطى الرجل عهده وميثاقه ثم يقاتله، وأصل ذلك كله من الصفق باليد. لأن المتعاهدين والمتبايعين، يضع أحدهما يده في يد الآخر. ومنه حديث ابن عمر: "أعطاه صفقة يده، وثمرة قلبه". فالصفقة المرة من التصفيق باليد.
(٣) عافاه الله وأعفاه: وهب له العافية من العلل والبلايا. وفي سيرة ابن هشام"عافاك فيهم"، وهما سواء. وقوله: "عافاك فيهم"، أي: صانك مما نزل بأصحابك.
(٤) في المطبوعة: "من حمراء الأسد"، والصواب من المخطوطة وسيرة ابن هشام، وتاريخ الطبري.
(٥) في المطبوعة: "أصبنا في أحد أصحابه..."، وهو خطأ، صوابه من المخطوطة وسيرة ابن هشام والتاريخ. وحد كل شيء: طرف شباته، كحد السكين والسيف والسنان. ومنه يقال: "حد الرجل" وهو بأسه ونفاذه في نجدته. و"رجل ذو حد": أي بأس ماض. وقوله: "أصبنا حد أصحابه"، أي: كسرنا حدهم وثلمناه كما يثلم السيف، فصاروا أضعف مما كانوا.