وقال ابن سيد الناس ـ بعد أن ذكر قصة الإحياء، والأحاديث الواردة في التعذيب ـ: "وذكر بعض أهل العلم في الجمع بين هذه الروايات ما حاصله أَنَّ النبي - ﷺ - لم يزل راقياً في المقامات السَّنيِّة، صاعداً في الدرجات العليّة، إلى أنْ قبض الله روحه الطاهرة إليه، وأزلفه بما خصه به لديه من الكرامة حين القدوم عليه، فمن الجائز أنْ تكون هذه درجة حصلت له ﷺ بعد أنْ لم تكن، وأنْ يكون الإحياء والإيمان متأخراً عن تلك الأحاديث فلا تَعارُض". اهـ (١)
وأجاب أصحاب هذا المسلك عن أحاديث تعذيب أبوي النبي - ﷺ - بثلاثة أجوبة:
الأول: أنها منسوخة بحديث إحياء والديه - ﷺ -.
قال أبو عبد الله القرطبي: "لا تعارض بين حديث الإحياء، وحديث النهي عن الاستغفار؛ فإنَّ إحياءهما متأخر عن الاستغفار لهما، بدليل حديث عائشة أَنَّ ذلك كان في حجة الوداع، ولذلك جعله ابن شاهين ناسخاً لما ذُكِرَ من الأخبار". اهـ (٢)
الثاني: أَنَّ قوله - ﷺ -: "إنَّ أبي وأباك في النار" المراد عمه أبو طالب؛ لأن اسم الأب يطلق على العم، وقد كان أبو طالب رَبَّى رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، فاستحق إطلاق اسم الأب من تلك الجهة.
ذكره السيوطي. (٣)
وذهب الجزيري إلى أَنَّ المراد عمه أبو لهب، حيث قال: "وحديث مسلم هذا يمكن تأويله، وهو أَنَّ المراد بأبي النبي صلى الله وعليه وسلم أبو لهب؛ فإنَّ الله تعالى قد أخبر أنه في النار قطعاً، والأب يُطلق في اللغة على العم". اهـ (٤)
الثالث: أنها ضعيفة.
قال السيوطي: "فإنْ قلتَ: فما تصنع بالأحاديث الدالة على كفرهما
_________
(١) عيون الأثر في فنون المغازي والسير، لابن سيد الناس (١/ ١٥٢).
(٢) التذكرة في أحوال الموتى والآخرة، للقرطبي (٢٠)، وانظر: تفسير القرطبي (٢/ ٦٤).
(٣) انظر: مسالك الحنفا في والدي المصطفى، للسيوطي (٢/ ٣٩٥).
(٤) انظر: الفقه على المذاهب الأربعة، للجزيري (٤/ ١٧٦).