الثاني: "أنَّ النبي - ﷺ - محا: (رسول الله)، وكتب: (ابن عبد الله) ".
وهذه الرواية جاءت من طريقٍ واحدة، عن أبي إسحاق، عن البراء. وليس فيها تصريح بأنَّ الذي كتب هو النبي - ﷺ -.
الثالث: "أنَّ النبي - ﷺ - محا: (رسول الله) بيده الشريفة".
ولم تذكر هذه الرواية أنه كتب: (ابن عبد الله)، وهذه الرواية جاءت من طريقين، عن أبي إسحاق، عن البراء.
الرابع: "أنَّ النبي - ﷺ - أمر علياً - رضي الله عنه - أنْ يكتب: (محمد بن عبد الله) ".
وهذه الرواية جاءت من حديث أنس بن مالك، والمسور بن مخرمة، ومروان بن الحكم، رضي الله عنهم، ورُويت من طريق إسرائيل بن يونس، عن أبي إسحاق، عن البراء، إلا أنها شاذة ومنكرة من هذا الطريق.
والأصح من هذه الروايات: الرواية التي اقتصرت على ذكر المحو دون الكتابة؛ لأنها جاءت من طريقين عن أبي إسحاق، عن البراء، دون اضطراب. وأثبتُ منها الرواية التي فيها أنَّ النبي - ﷺ - أمر علياً - رضي الله عنه - أنْ يكتب: "محمد بن عبد الله"؛ لأنها جاءت عن صحابيين، ولم يقع فيها اضطراب كحديث البراء.
وعليه فإنَّ الصواب في قصة الحديبية أنَّ النبي - ﷺ - أمر علياً أنْ يمحوَ لفظة: "رسول الله"، ويكتب مكانها: "ابن عبد الله"، فَأَبَى عليٌ - رضي الله عنه - ذلك؛ إجلالاً لاسم رسول الله - ﷺ - أن يُمحى، فأمره رسولُ الله - ﷺ - أنْ يُريَهُ مكانها؛ فأراه مكانها؛ فمحاها النبي - ﷺ - بيده الشريفة، ثم إنَّ علياً كتب بعد ذلك: "ابن عبد الله"، نزولاً عند رغبة النبي - ﷺ -، لمَّا رآه محا: "رسول الله".
هذا هو الأصح في الجمع بين روايات الحديث؛ لأنا إذا قلنا بأنَّ النبي - ﷺ - هو الذي كتب: "ابن عبد الله"؛ صارت روايات القصة متعارضة ومتناقضة، لكن القول بأنَّ الكاتب هو علي - رضي الله عنه - يدفع هذا التناقض؛ لأنا حملنا الرواية المطلقة على المقيدة، فانتفى التعارض بينها، واندفع الإشكال المُوهِم معارضة الآيات، والله تعالى أعلم.
****


الصفحة التالية
Icon