و (لَيْسَ): أداة نفي تُشبه اللفظ الماضي. ﴿عَلَى شَيْءٍ﴾ طريق أو رأي متجه أو نحوهما ﴿فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾ والحكم هو: القضاءُ المانع عن الخلاف إلجاءً أو غيرَ إلجاءٍ، وأراد ها هنا على الإلجاء وذلك بإنطاق الجلود وشهادة الرسل على الأمم وغير ذلك مما يشاء اللهُ تعالى.
والاختلاف: نقيض الاتفاق ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ﴾ قال ابن عباس (١): نزلت في الروم لغزوهم بيت المقدس، وإلى هذا ذهب مجاهد والفراء، ويدل عليه ما سبق ذكره (٢)، ودخول النصارى خائفين في بيت المقدس إلى يومنا هذا.
وعن الحسنِ وقتادةَ والسُّدي (٣) أنها نزلت في بختنصر يدلُّ عليه أنه لما جرى ذكر اليهود والنصارى ومشركي العرب والوعد بالحكم في اختلافهم وذكَرَ المجوس أيضًا وإشراكهُمْ (٤) في الذم من وجهٍ آخر. وعن ابن زيد أنها نزلت في قريش وغيرهم من مشركي العرب، وهذا هو الأقرب لأنهم كانوا يَصُدُّون عن المسجد الحرام بعد عامهم هذا، وفيهم نزل قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ (٥). ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ﴾ ورد ورود
(٢) قال الواحدي في أسباب النزول ص ٣٦ وتبعه الثعلبي وابن حجر في العجاب ص ١٧٥ أن هذه الآية: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ...﴾ الآية، نزلت في صطوس بن استسيانوس الرومي وأصحابه من النصارى، وذلك أنهم غزوا بني إسرائيل فقتلوا مقاتلتهم، وسبوا ذراريهم، وحرقوا التوراة، وخربوا بيت المقدس وقذفوا فيه الجيف، وذبحوا فيه الخنازير، فكان خرابًا إلى أن بناه المسلمون في زمن عمر بن الخطاب. وأحال الواحدي هذا المعنى إلى ابن عباس - رضي الله عنهما -.
وانظر: [تفسير الخازن (١/ ٧٢) - والبحر المحيط (١/ ٣٥٦) - وابن كثير (١/ ١٥٦) - وزاد المسير (١/ ١٣٤)].
(٣) أما عن الحسن فلم أجده، وأما عن قتادة فعند الطبري (٢/ ٥٢٠)، وعبد الرزاق في تفسيره (١/ ٥٦)، وابن أبي حاتم (١/ ٣٤١)، وأما عن السدي عند الطبري (٢/ ٥٢١)، وابن أبي حاتم (١/ ٣٤٢)، والبغوي (١/ ١٠٧).
(٤) في "ن": (إشراكهم).
(٥) سورة التوبة: ٢٨.