﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ نزلت في مشركي العربِ في أوجه الأقاويل (١) وأقربها لأنه ذكرهم بما سبق ذكرهم به عند مجادلة اليهود والنصارى. ﴿لَوْلَا﴾ ها هنا على التخصيص بمعنى: لوما وهلاَّ نظيره: ﴿فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا﴾ (٢) ﴿مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ عاد إذ قالوا لهود (٣): ﴿فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا﴾ (٤) وثمود إذ قالوا: ﴿يَا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا﴾ (٥) وفرعون إذ قال: ﴿إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَا﴾ (٦). وبنو إسرائيل لقولهم: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ (٧)، والنصارى إذ قالوا: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ (٨). وإنما يطالبون بهذه الأشياء تمرّدًا وتعنتًا ولم يقصدوا به الاستدلال للطمأنينة والبيان، فذمَّهم الله جميعًا، وشبه بعضهم ببعض. وفي الآية دليل أن الكفر كله ملة واحدة.
﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ﴾ أنفذناك، وقد يكون الإرسال إطلاقًا في غير هذا (٩) الموضع ﴿بِالْحَقِّ﴾ ودين الحقِّ هو الإسلام، والباء مكان مع ﴿بَشِيرًا﴾ مخبرًا بالخبرِ السارِّ ﴿وَنَذِيرًا﴾ منبِّهًا محذِّرًا بخبر مكروه. وقال - عليه السلام -: "بشر أهل

(١) والشاهد على ذلك - أنها نزلت في مشركي العرب - ما أخرجه الطبري عن عباس - رضي الله عنهما - قال: قال رافع بن حريملة لرسول الله - ﷺ -: إن كنتَ رسولًا من عند الله كما تقول، فقل للهِ فليكلِّمنا حتى نسمع كلامه، فأنزل الله تعالى هذه الآية: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ...﴾ الآية.
وقال مجاهد: هم النصارى والذين من قبلهم هم اليهود.
وفيه قول آخر لابن عباس أن المراد بـ ﴿الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ اليهود في زمن النبي - ﷺ - و ﴿الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ اليهود الأولون.
انظر: [القرطبي (٢/ ٨٩) - زاد المسير (١/ ١٣٧)].
(٢) سورة الأنعام: ٤٣.
(٣) في "ن": (اليهود).
(٤) سورة الأعراف: ٧٠.
(٥) سورة الأعراف: ٧٧.
(٦) سورة الأعراف: ١٠٦.
(٧) سورة البقرة: ٥٥.
(٨) سورة المائدة: ١١٢.
(٩) في "ن": (هذه).


الصفحة التالية
Icon