(فيها) قائم مقام الاسم في كلام العرب كما هو ها هنا. وكذلك في قوله: ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ (١٦٤)﴾ ﴿مَنْ آمَنَ﴾ إبدالُ البعض من الكل (١)، مثاله قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ (٢). وإنما خصَّ المؤمنين بالدعاء لأنه لا يجوزُ تولِّي الكافرين، وقيل: توهّمًا منه أنَّ الله تعالى لا يُؤَجّلهم إن قال: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾. فأخبر اللهُ بأنه يمهلهم ويمتِّعهم متاعَ الحياةِ الدُّنيا لتأكيد الحجةِ عليهم، ويحتمل أن الإخبار عن رزقهم إنما وقع لئلا يستدلَّ الكافرُ بالرزق أنه مصيبٌ مؤمن، وأن دعوةَ إبراهيم - عليه السلام - قد نالته. ﴿ثُمَّ أَضْطَرُّهُ﴾ فيعال من الضرورة وهو متعدٍّ (٣) ﴿وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ المعاد.
﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ﴾ روى الواقدي عن أبي جهم بن حذيفة بن غانم العدوي، قال: لما بَلَغَ إسماعيلُ ثلاثين سنةً وإبراهيم يومئذٍ ابن مائةِ سنةٍ أوحى اللهُ تعالى إلى إبراهيم - عليه السلام - يأمره ببناءِ البيت وأنزل السكينةَ فاتبعها إبراهيمُ وهي ريحٌ لها وجهٌ وجناحان، ومع إبراهيم - عليه السلام - الملك والصُّرَد فانتهوا بإبراهيم - عليه السلام - إلى مكة منزل (٤) إسماعيل - عليه السلام -، وفي رواية: كان إسماعيل - عليهم السلام - ابن عشرين سنة فأتاهُ أبوه وهو قاعد تحت دوحة يبري النبال، وموضع البيت يومئذٍ ربوة حمراء، فحفر إبراهيم وإسماعيل - عليه السلام - ليس معهما غيرهما يريدان أساس آدم - عليه السلام -، فحفرا عن ربض البيت. قال الواقدي: ربضة: حوله، فوجدا صخرة ما يطيقُها إلا

(١) أي أن "من آمن" بدل بعض من كل وهو "أهله"، ولذلك عاد فيه ضمير على المبدل منه.
(٢) سورة الصافات: ١٦٤.
(٣) وقيل اضْطَرَّ: افتعلَ من الضُرِّ، وأصله: اضْتَرَّ فأُبْدِلَت التاءُ طاءً لأن تاء الافتعال تبدل طاءً بعد حروف الإطباق، وهو متعدٍّ كما ذكر المؤلف، وعليه جاء التنزيل، ومنه قول الشاعر:
اضْطَرَّكَ الحِرْزُ مِنْ سَلْمى إلى أَجَأ
[البحر المحيط (١/ ٣٧٣) - الكشاف (١/ ٣١١)].
(٤) في "أ": (منزلة).


الصفحة التالية
Icon