اتَّبَعْتَ} (١) فأيس النبي -عليه السلام- (٢) عن أتّباعهم وأمته من نسخ طارئ يردُّه إلى قبلتهم وقطع المجادلة بينه وبينهم ثم قال: ﴿وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ﴾ لأنهم خربوا البيت وخفي مكان الصخرة فتفرقوا لخفائه (٣) وقد أعرض بعضهم عنها وتوجه إلى المشرق وتشتتت أهواؤهم وتساووا في الضلالة والغواية، فأخبر الله عن حالهم وحذر نبيَّه -عليه السلام- عن اتباعهم، وإنما حذَّره مع كونه معصومًا (٤) ليبقى مكلَّفًا مثابًا فلا يكون استباقًا منه كما قال في شمأن الملائكة: ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ﴾ واللام في ﴿لَئِنّ﴾ لام التأكيد، فلمَّا ضمّت إلى "أن" الشرطية أحدثت فيها معنى كقوله: ﴿لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ﴾ ولولا اللام لقالوا: لا يخرجوا معهم والتنوين في "إذًا" عوض عن كلام محذوف ومجازه: إنَّك إذا اتبعت أهواءهم كنتَ من الظالمين، ولام التأكيد داخلة على ما يجيء بعد إذا وربما لم تدخل فينصب إذا اعتمد عليها. تقول للقائل: أزورك (٥): إذًا أكرمك، ويجوز كون "إذًا" بدلًا عن (٦) الشرط ويكون حقيقتها للتوقيت، قال:
لو كنت من مازن لم تستبح إبلي (٧)...

(١) قال الفراء والأخفش: أجيبت بجواب (لو) لأن المعنى: ولو أتيت، وكذلك تجاب (لوِ) بجواب (لئن) نقول: لو أحسنت أحسن إليك، ومثله قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا﴾ أي: لو أرسلنا ريحًا.
وخالفهم سيبويه فقال: إن معنى (لئن) مخالف لمعنى (لو) فلا يدخل واحد منهما على الآخر، فالمعنى: ولئن أتيت الذين أتوا الكتاب بكل آية لا يتبعون قبلتك.
قال سيبويه: (ومعنى ﴿وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا﴾: ليظلن). اهـ من القرطبي في تفسيره (٢/ ١٦٢).
(٢) في "ب ": (صلى الله عليه وسلم).
(٣) في "أ": (بخفائه).
(٤) في الأصل: (معصوم).
(٥) (أزورك) من "ب" "ي".
(٦) في الأصل: (بدل على).
(٧) هذا صدر بيت نسبه ابن منظور في "لسان العرب" (٧/ ٣٩٣) للعنبري، وعجزه:
... بنو اللقيطة من ذهل بن شيبانا


الصفحة التالية
Icon