فلو لم يرفع الإثم عن المتأخر لما جاز الرمي فيه، إذ التنفل بالرمي عبث ﴿لِمَنِ اتَّقَى﴾ أي رفع الإثم لمن اتقى محظورات الإحرام. روي أنَّ رجلًا توفي بمنى فقيل لعمر: أما تشهد دفنه؟ فقال: وما يمنعني عن دفن من لم يذنب (١) من غفر له، قال -عليه السلام-: "من حجَّ فلم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه" (٢)، و (الحشر) الجلا.
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ﴾ قال السدي وغيره: نزلت في الأخنس بن شريق الثقفي (٣) وكان رجلًا حسن المنظر حلو المنطق خبيث السريرة، واسمه فيما يروى أبيّ وإنما لُقِّب بالأخنس لأنَّه خنس مع ثلثمائة رجل من حلفائه من بني زهرة يوم بدر ولم يشهدوا (٤)، قال الحسن: نزلت في كل منافق ومراء (٥) معناها عامة تنبيهًا لرسول الله - ﷺ - (٦)، وإعجاب الشيء بالشيء أن يسرَّه ﴿وَيُشْهِدُ اللهَ عَلَى مَا في قَلْبِهِ﴾ يعني يقول: الله شهيد على ما في قلبي من الوفاء والإخلاص ﴿وَهُوَ أَلَدُّ﴾ أشد الخصومَةِ فإنْ كان (الألد) (٧) ههنا بمعنى النعت فالخصام مصدر كالقتال، وإنْ كان على معنى

(١) في الأصل: (يثرب).
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه- كتاب الحج، باب فضل الحج المبرور (٣/ ٣٠٢)، ومسلم في صحيحه- كتاب الحج، باب في فضل الحج (١٣٥٠).
(٣) ذكره الواحدي في "أسباب النزول" (٥٧ - ٥٨) وبعضه عند الطبري (٣/ ٥٧٢). وفيه أنه أقبل إلى النبي - ﷺ - بالمدينة وأظهر له الإسلام فأعجَبَ النبي - ﷺ - ذلك منه وقال: إنما جئتُ أريد الإسلام، والله يعلم أني صادق وذلك قوله: ﴿وَيُشْهِدُ اللهَ عَلَى مَا في قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ ثم خرج من عند النبي - ﷺ - فَمَرَّ بزرع لقوم من المسلمين وحُمُر، فأحرق الزرع وعَقَرَ الحُمُرَ فأنزل الله: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى في الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ﴾.
(٤) الأخنس ترجم له ابن حجر في الصحابة في القسم الأول (١/ ٢٥ - ٢٦) (٦١) وقد أثبت أنه أسلم وكان من المؤلَّفة قلوبهم وشهد حنينًا، بينما ذهب آخرون أنه لم يسلم. وقد أثبت ابن حجر إسلامه وقال: (ولا مانع أن يسلم ثم يرتد ثم يرجع إلى الإسلام). اهـ.
وانظر القرطبي (٣/ ١٤).
(٥) عزاه إليه ابن الجوزي في زاد المسير (١/ ٢١٩) وكذا عزاه لقتادة وابن زيد.
(٦) (وسلم) من "أ".
(٧) الألد: هو الشديد من اللَّدَدِ، وهو شدة الخصومة، ومنه قول الشاعر [وينسب للمهلهل]:


الصفحة التالية
الموسوعة القرآنية Quranpedia.net - © 2026
Icon
إنَّ تحتَ الترابِ عَزْمًاوَحَزمًا وخصيمًا أَلَدَّ ذا مِغْلاقِ =