وانطلقا إلى قومهما بخبر الماء، فسار منهم جماعة حتى نزلوا الوادي، وقالوا لهاجر: من (١) أنت أيّتها المرأة؟ ومن هذا الصبيّ؟ قالت: هذا ابن إبراهيم خليل الله ونبيّه، وهو ابني، وهذا الماء سقي من الله لنا، قالوا: صدقت فإنّ عهدنا بهذا الوادي قريب، وما فيه إذ ذاك ماء، فهل تأذنين لنا أن ننزل بهذا الوادي على أن نواسيكما بأموالنا؟ فأذنت استئناسا بالناس، فأقاموا معها سنين حتى شبّ إسماعيل، فقسموا له من أموالهم قسما، وعظّموه فيما بينهم، وعرفوا له حقّه. قيل:
وإنّ امرأته الأولى التي (٢) لم تلن الكلام لإبراهيم، ولم تستنزله كانت منهم (٣)، فطلّقها إسماعيل عليه السّلام (٤)، وقيل (٥): إنّهما كانتا جرهميّتين.
ثمّ أقبل مضاض بن عمرو بن عبد الله بن جرهم بن قحطان من اليمن في قبيلة جرهم، وقيل: إنّ جرهما ليس بابن قحطان، وإنّما هو ابن أخي قحطان، واسم أبيه يفطر بن عابر، حتى انتهى إلى مكّة فزاحم العماليق ونفاهم، وزوّج ابنته من إسماعيل عليه السّلام (٦).
﴿رَبِّ اِجْعَلْ هذا:﴾ إشارة إلى المكان والوادي (٧).
﴿بَلَداً آمِناً:﴾ أهله (٨)، كقوله: ﴿آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً﴾ [النحل: ١١٢].
والمراد بالأمن ما (٩) اقتضاه الحرم من الأحكام المخصوصة به (١٠).
﴿مِنَ الثَّمَراتِ:﴾ أي: شيئا من الثمرات، عند الأخفش (١١). وقال غيره (١٢): (من) قائم مقام الاسم في كلام العرب كما هو ههنا، وكذلك في قوله: ﴿وَما مِنّا إِلاّ لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ [الصافّات: ١٦٤].
﴿مَنْ آمَنَ:﴾ إبدال البعض من الكلّ (١٣)، مثاله قوله تعالى: ﴿وَلِلّهِ عَلَى النّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اِسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ [آل عمران: ٩٧] (١٤).
_________
(١) ساقطة من ب.
(٢) ساقطة من ب.
(٣) في ك: معهم.
(٤) ينظر: البداية والنهاية ١/ ١٧٨ - ١٨٠ و ٢٢١، وتفسير القرآن العظيم ١/ ١٨٥.
(٥) ينظر: تاريخ اليعقوبي ١/ ٢٦ - ٢٧، وتاريخ الطبري ١/ ١٨١، والكامل في التاريخ ١/ ٩٥.
(٦) ينظر: تاريخ اليعقوبي ١/ ٢٢١ - ٢٢٢.
(٧) ينظر: الوجيز ١/ ١٣١، والبحر المحيط ١/ ٥٥٤، وتفسير البيضاوي ١/ ٣٩٩.
(٨) ينظر: التسهيل ٦٠، والبحر المحيط ١/ ٥٥٢، وتفسير البيضاوي ١/ ٣٩٩.
(٩) في ب: من.
(١٠) ينظر: تفسير الطبري ١/ ٧٥٣ - ٧٥٦، والقرطبي ٢/ ١١٨.
(١١) لم أقف على قوله في معاني القرآن. وذكر أبو حيان أنها للتبعيض أو لبيان الجنس، ينظر: البحر المحيط ١/ ٥٥٥.
(١٢) ينظر: الكتاب ٢/ ٣٤٥ - ٣٤٦، ومعاني القرآن وإعرابه ٢/ ١٢٩، والمجيد ٤٨٧ (تحقيق: د. عطية أحمد).
(١٣) ينظر: إعراب القرآن ١/ ٢٦٠، ومشكل إعراب القرآن ١/ ١١٠، والبيان في غريب إعراب القرآن ١/ ١٢٢.
(١٤) ينظر: معاني القرآن للأخفش ١/ ٣٣٥ - ٣٣٦، والتفسير الكبير ٤/ ٥٥.