وقوله تعالى: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ فيه محذوف تقديره: يقولون: لا نفرّق بين (١). كقوله: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا﴾ [الأنعام: ٩٣] أي: يقولون: اخرجوا (٢). ومعناه: لا نفعل كما فعل أهل الكتاب، حيث آمنوا ببعض الرسلِ وكفروا ببعضٍ، بل نجمع بين الرسل كلهم في الإيمان بهم (٣).
و (بين) تقتضي شيئين فصاعدًا، وإنما جاز مع أحدٍ، وهو واحد في اللفظ، لأن أَحَدًا يجوز أن يؤدي عن الجميع، قال الله تعالى: ﴿فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ [الحاقة: ٤٧] وفي الحديث: "ما أُحلت الغنائم لأحدٍ سُود الرؤوس غيركم" (٤) وإنما كان كذلك، لأن أحدًا ليس كرجلٍ يثنى ويجمع، وقولك: ما يفعلُ هذا أحدٌ، تريد: ما يفعله الناس كلهم، فلما كان لفظ أحدٍ يؤديَ عن الجميع، جازَ أن يُسْتَعْمَل معه (بين)، وإن كان لا يجوز أن يقول: لا نفرّق بين رجل منهم، وقد استقصينا هذا عند قوله: {عَوَانٌ بَيْنَ

(١) بين ليست في (ش) ولا (ي).
(٢) ينظر: "تفسير الثعلبي" ٢/ ١٨٦٣، "التبيان" ص١٧٢، "البحر المحيط" ٢/ ٣٦٥، وذكر أن بعضهم يعربه خبرًا بعد خبر لكل.
(٣) "تفسيرالثعلبي" ٢/ ١٨٦٢.
(٤) الحديث، رواه الترمذي (٣٠٨٥) كتاب: تفسير القرآن، باب: ومن سورة الأنفال، وقال: حسن صحيح غريب، والنسائي في "تفسيره" ١/ ٥٢٩ رقم ٢٢٩، وأحمد ٢/ ٢٥٢، والطيالسي في "مسنده" ٣١٨ رقم ٢٤٢٩، وسعيد بن منصور في سننه ٢/ ٣٧٦ [ط. حبيب الرحمن] وابن أبي شيبة في "مصنفه" ١٤/ ٣٨٧، وابن حبان في "صحيحه" الإحسان ١١/ ١٣٤ برقم (٤٨٠٦) عن أبي هريرة مرفوعا، وأصله في الصحيحين. رواه البخاري (٣١٢٤) كتاب: فرض الجهاد، باب: قول النبي - ﷺ -. أحلت لكم الغنائم، ومسلم (١٧٤٧) كتاب: الجهاد، باب: تحليل الغنائم لهذه الأمة عن أبي هريرة بمعنى الحديث أعلاه.


الصفحة التالية
Icon