فقال: إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة فقال حسن إلا أن لي أمراء لا أقطع أمرا دونهم ولعلي أسلم وآتي بهم فخرج من عنده وقد كان رسول الله ﷺ قال لأصحابه: يدخل عليكم رجل من ربيعة يتكلم بلسان شيطان فلما خرج شريح. قال النبي صلى الله عليه وسلم: لقد دخل بوجه كافر وخرج بقفا غادر وما الرجل بمسلم، فمرّ بسرح من سرح المدينة فاستاقه وانطلق به وهو يرتجز ويقول:
لقد لفّها بالليل سواق حطم... ليس براعي إبل ولا غنم
ولا بجزار على ظهر وضم... باتوا نياما وابن هند لم ينم
بات يقاسيها غلام كالزلم... خدلج الساقين ممسوح القدم
فتبعوه فلم يدركوه فلما كان العام القابل، خرج شريح حاجّا مع حجاج بكر بن وائل من اليمامة ومعه تجارة عظيمة وقد قلد الهدي، فقال المسلمون: يا رسول الله هذا الحطم قد خرج حاجا فخلّ بيننا وبينه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إنه قد قلد الهدي. فقالوا: يا رسول الله هذا شيء كنا نفعله في الجاهلية فأبى النبي ﷺ فأنزل الله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ.
قال ابن عباس: هي المناسك كان المشركون يحجون ويهدون، فأراد المسلمون أن يغيروا عليهم فنهاهم الله عن ذلك.
وقيل: الشعائر، الهدايا المشعرة وإشعارها أن يطعن في صفحة سنام البعير بحديدة حتى يسيل دمه فيكون ذلك علامة أنها هدي وهو سنة في الإبل والبقر عون الغنم، ويدل عليه ما روي عن عائشة: «فتلت قلائد بدن النبي ﷺ ثم أشعرها وقلدها ثم بعث بها إلى البيت فما حرم عليه شيء كان له حلالا» أخرجاه في الصحيحين (م).
عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ صلى الظهر بذي الحليفة ثم دعا بناقته فأشعرها في صفحة سنامها الأيمن وسلت الدم عنها وقلدها نعلين ثم ركب راحلته فلما استوت به على البيداء أهلّ بالحج. وعند أبي حنيفة لا يجوز إشعار الهدي بل قال يكره ذلك. وقال ابن عباس «١» في معنى الآية: لا تحلوا شعائر الله هي أن تصيد وأنت محرم. وقيل: شعائر الله شرائع الله ومعالم دينه، والمعنى: لا تحلوا شيئا من فرائضه التي افترض عليكم واجتنبوا نواهيه التي نهى عنها وَلَا الشَّهْرَ الْحَرامَ أي ولا تحلوا الشهر الحرام بالقتال فيه والشهر الحرام: هو الذي كانت العرب تعظمه وتحرم القتال في الجاهلية فيه، فلما جاء الإسلام، لم ينقض هذا الحكم، بل أكده. والمراد بالشهر الحرام هنا، ذو القعدة. وقيل: رجب. ذكرهما ابن جرير. وقيل: المراد بإحلال الشهر الحرام النسيء. قال مقاتل: كان جنادة بن عوف يقوم في سوق عكاظ، فيقول: إني قد أحللت كذا وحرمت كذا يعني به الأشهر فنهى الله عن ذلك وسيأتي تفسير النسيء في سورة براءة: وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلائِدَ الهدي ما يهدى إلى بيت الله من بعير أو بقرة أو شاة أو غير ذلك مما يتقرب به إلى الله تعالى، والقلائد جمع قلادة وهي التي تشد في عنق البعير وغيره والمعنى: ولا الهدي ذوات القلائد. قال الشاعر:
حلفت برب مكة والمصلى... وأعناق هدي مقلدات
فعلى هذا القول إنما عطف القلائد على الهدي مبالغة في التوصية لأنها من أشراف البدن المهداة والمعنى:
ولا تستحلوا الهدي خصوصا المقلدات منها. وقيل: أراد أصحاب القلائد وذلك أن العرب في الجاهلية كانوا إذا

(١) قوله وقال ابن عباس إلخ كأن هذا قول ثان له رضي الله عنه إذ تقدم له غير هذا اهـ.


الصفحة التالية
Icon