ومعاصِي الله (جل وعلا)؛ وَلِذَا قال تعالى: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاَّ إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَانًا مَّرِيدًا﴾ [النساء: آية ١١٧] يعني: لا يَعْبُدُونَ إلا الشيطانَ؛ لأن اتباعَهم لتشريعِه ونظامِه وتركَهم تشريعَ اللَّهِ ونظامَه هو عبادتُهم له؛ وَلِذَا سَمَّى اللَّهُ (تبارك وتعالى) في هذه السورةِ - سورةِ الأنعامِ - سَمَّى فيها الذين يُطَاعُونَ في معاصِي اللَّهِ، سَمَّاهُمْ (شركاءَ) حيث قال: ﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلاَدِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ﴾ [الأنعام: آية ١٣٧] فَسَمَّاهُمْ (شركاءَ) لَمَّا زينوا لهم الحرامَ واتبعوهم فيه. وقد صَحَّ عن عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ (رضي الله عنه) أنه سألَ النبيَّ - ﷺ - عن آيةِ التوبةِ - وكان عَدِيٌّ هذا نَصْرَانِيًّا - قال له: يا نَبِيَّ اللَّهِ: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: آية ٣١] كيف اتَّخَذُوهُمْ أَرْبَابًا؟ يعني أنهم لم يَسْجُدُوا ولم يَرْكَعُوا لهم ولم يصوموا لهم. قال له - ﷺ -: «أَلَمْ يُحِلُّوا لَهَمْ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، وَيُحَرِّمُوا عَلَيْهِمْ مَا أَحَلَّ اللَّهُ، فَاتَّبَعُوهُمْ؟» قال: بَلَى. قال: «بِذَلِكَ اتَّخَذُوهُمْ أَرْبَابًا» (١).
_________
(١) أخرجه الترمذي، في التفسير، باب: ومن سورة التوبة.. حديث رقم (٣٠٩٥)، (٥/ ٢٧٨)، وعقَّبه بقوله: «هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث عبد السلام بن حرب، وغُطيف بن أعين ليس بمعروف في الحديث» اهـ.
كما أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (٧/ ١٠٦)، والطبراني في الكبير (١٧/ ٩٢)، والببهقي في السنن (١٠/ ١١٦)، وابن جرير (١٤/ ٢٠٩ - ٢١١)، وقال عنه شيخ الإسلام (وهو حديث حسن طويل) (الإيمان ص ٦٤)، وحسنه الألباني في صحيح الترمذي (٣/ ٥٦)، وغاية المرام ص ١٩، والحديث له شواهد بتقوى بها، والله أعلم.
فعُلِمَ أنَّ دَعْوَى ابْنِ حزم على العلماء أنهم حرموا هذا مِنْ تِلْقَاءِ أنفسهم وشرعوه من غير دليل أنه ليس بصحيح، وأن الأئمة -رضي الله عنهم- ما فعلوا إلا شيئاً واقعاً في موقعه؛ لأن هذا المنطوق به والمسكوت عنه لا فرق بينهما البَتَّةَ.
فالنبي - ﷺ - ربما نَبَّهَنَا بِالنَّظِيرِ عَلَى النَّظِيرِ، وقد أجمع العلماء على أن نَظِيرَ الحق حق، ونظير الباطل باطل، فإِلحَاقُ النَّظِيرِ بالنَّظِير من الحق الذي شهد له القرآن والسنة والعقل الصحيح، وقد نبَّه النبي - ﷺ - في أحاديث مُتَعَدِّدَة على أن إلحاق النظير بنظيره من الحق لا مِنَ البَاطِلِ؛ لأنه ثبت في الصحيحين أن سأله رجل، وثبت في الصحيحين أنه سألته امرأة عن حج كان على أبيها أو أمها هل تقضيه عنها؟ قالت: أمي ماتت وعليها حج أفأقضيه عنها؟ فالنبي - ﷺ - قال: «أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أَبِيكِ دَيْنٌ فَقَضَيْتِيهِ أَكَانَ يَنْفَعُهُ؟» قالت: نعم. قال: «فَدَيْنُ اللهِ أحَقُّ أَنْ يُقْضَى» والحديث ثابت في الصحيح في رجل، وثابت في الصحيح في امرأة (١)، وهي قصص متعددة لا اضطراب في الحديث؛ لأنه ثابت في الصحيحين، فنبه النبي - ﷺ - بإلحاق دَيْن الله بدَيْن الآدميين بجامع أن الكل دَيْن ينفع صاحبه قضاؤه
_________
(١) أخرجه البخاري في جزاء الصيد، باب الحج والنذور عن الميت، حديث رقم: (١٨٥٢)، (٤/ ٦٤). وأخرجه في مواضع أخرى، انظر الحديثين رقم: (٦٦٩٩، ٧٣١٥) وهو من حديث ابن عباس رضي الله عنهما (في سؤال المرأة الجهنية)، وقد ورد عنه وعن أخيه الفضل وعن غيرهما أحاديث في الصحيحين وفي غيرهما من غير موضع الشاهد هنا. وقد تكلم الحافظ على هذه الأحاديت والروايات المتعددة بكلام طويل راجعه- إن شئت- في الفتح (٤/ ٦٥ - ٦٦، ٦٨ - ٧٠).
لا يمكنُ أن تشبهَ صانعَها بحالٍ، فالأساسُ الأعظمُ الأولُ هو تنزيهُ خالقِ السماواتِ والأرضِ (جل وعلا) عن أن يُشْبِهَهُ شيءٌ من خلقِه في صفاتِهم أو ذواتِهم أو أفعالِهم.
والأساسُ الثاني: هو تصديقُ اللَّهِ، وعدمُ تكذيبه، وعدمُ جحودِ ما مدحَ به نفسَه، بل تصديقُ اللَّهِ بما مَدَحَ به نفسَه في كتابِه مُعَلِّمًا خلقَه أن يمدحوه به والإيمان بذلك إيمانًا مَبْنِيًّا على أساسِ التنزيهِ كما عَلَّمَنَا اللَّهُ ذلك في قولِه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى: الآية ١١] فَبَيَّنَ لنا أنه يجبُ علينا أن ننزهَه أولاً عن مماثلةِ الخلقِ بقولِه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ وأن نؤمنَ بما وصفَ به نفسَه إيمانًا مَبْنِيًّا على أساسِ ذلك التنزيهِ حيث قال: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ بعدَ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾.
والأساسُ الثالثُ: هو أن نعلمَ أن إحاطةَ العلمِ البشريِّ منفيةٌ عن اللَّهِ نَفْيًا قرآنيًّا بَاتًّا في قولِه: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا (١١٠)﴾ فإذا ماتَ العبدُ على هذه العقيدةِ الصحيحةِ جاء آمِنًا يومَ القيامةِ من توبيخٍ يلحقُه من واحدٍ من هذه الأُسسِ الثلاثةِ، فَلاَ تَأْتِيهِ بليةٌ من قِبَلِ تنزيهِه لربه عن مشابهةِ خلقِه، ولا تأتيه بليةٌ من تصديقِه رَبَّهُ فيما مَدَحَ به نفسَه، أو تصديقه رسولَه فيما أَثْنَى به على رَبِّهِ تصديقًا مَبْنِيًّا على أساسِ ذلك التنزيهِ كنحوِ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾.
وَلاَ تأتيه بليةٌ من كونِه مُقِرًّا بأن علمَه لاَ يحيطُ بِاللَّهِ؛ لأن اللَّهَ يقولُ: ﴿وَلاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه: الآية ١١٠] وقد شَرَحْنَا تقسيمَ المتكلمين للصفاتِ، وَبَيَّنَّا ما جاء في القرآنِ من وصفِ الخالقِ ووصفِ المخلوقِ بها، وأن وصفَ الخالقِ حَقٌّ، وأن وصفَ المخلوقِ حَقٌّ إلا أن وصفَ الخالقِ مُنَزَّهٌ عن مشابهةِ وصفِ
لا هادي له. وهذا معنى قوله: ﴿مَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلاَ هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١٨٦)﴾.
في هذا الحرف ثلاث قراءات سَبْعِيَّة متواترة عن النبي ﷺ كلها صحيح لا نزاع فيها (١): قرأه نافع وابن كثير وابن عامر: ﴿وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ (بالنون) وصيغة الجمع يُراد بها التعظيم، عظَّم الله نفسه. وقرأه من السبعة: أبو عمرو، وعاصم في رواية حفص وشعبة: ﴿وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ بياء الغيبة وضمّ الراء. وقرأه حمزة، والكسائي من الكوفيين: ﴿ويَذَرْهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾.
وهذ الفعل المضارع معطوف على جزاء الشرط الذي هو قوله: ﴿فَلاَ هَادِيَ لَهُ﴾ والمقرَّر في علم العربيَّة -كما هو مشهور في العربية- أنّ كل فعل عُطف على جزاء الشرط بفاء أو واو ففيه ثلاث لغات (٢): يجوز فيه: الرفع، ويجوز فيه: الجزم، ويجوز فيه: النصب. فكلّه جائز، ولغات عربيّة معروفة، وقراءات صحيحة معروفة؛ لأنّ ﴿فَلاَ هَادِيَ لَهُ﴾ جزاء الشرط، وجزاء الشرط في محل جزم، فقراءة حمزة والكسائي جزموا ﴿ويذرْهم﴾ لأنه معطوف على جزاء الشرط وأصله مجزوم؛ والذين رفعوه لغة فصيحة وقراءة صحيحة (٣). وأما النصب: فهو لغة فصيحة، ولكنّه لم يقرأ به أحد من السبعة مع أنه لغة.
و (الطغيان) في لغة العرب (٤): مجاوزة الحدّ؛ وهو مصدر:
_________
(١) انظر: المبسوط لابن مهران ص٢١٧.
(٢) انظر: التوضيح والتكميل (٢/ ٣١٨).
(٣) انظر: الدر المصون (٥/ ٥٢٧).
(٤) مضى عند تفسير الآية (١١٠) من سورة الأنعام.
وَيَأْسِرُونَهُمْ، ثم إنهم فَرُّوا وَانْهَزَمُوا، طائفةٌ منهم فيها سَيِّدُهُمْ مالكُ بنُ عوفٍ انْهَزَمُوا ورجعوا إلى حصنِ الطائفِ فَتَحَصَّنُوا به، وطائفةٌ عَسْكَرُوا في أوطاس.
وأوطاس محلٌّ هو وَحُنَيْنٌ يَجْمَعُهُمْ وَادٍ واحدٌ، إلا أنهم عَسْكَرُوا في محلٍّ بعيدٍ منه، فأرسلَ النبيُّ ﷺ في أَثَرِهِمْ سريةً أَمَّرَ عليها أبا عامرٍ الأشعريَّ (رضي الله عنه)، ومعه في تلك السريةِ ابنُ عَمِّهِ أبو موسَى الأشعريُّ، فَأَدْرَكَ أَبُو عَامِرٍ فَلَّهُمْ، وأخذَ ما عندهم من السَّبَايَا أيضًا، وَاسْتُشْهِدَ أبو عامرٍ، أَصَابَهُ سهمٌ في ركبتِه فماتَ، واسْتَحَرَّ القتلُ ذلك اليومَ في ثقيفٍ خاصةً، ثم في بَنِي مَالِكٍ فَقُتِلَ منهم سبعونَ رجلاً، أو أكثرَ، وقتلَ قومٌ من أصحابِ رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وكثيرٌ من هوازنَ، فَهَزَمَهُمُ اللَّهُ تباركَ وتعالى، وفي ذلك اليومِ قَالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ قَتَلَ قَتِيلاً فَلَهُ سَلَبُهُ» (١).
وكان أبو قتادةَ (رضي الله عنه) كما ثَبَتَ عنه رَأَى رَجُلاً عليه رَجُلٌ من المشركين يريدُ أن يقتلَه، فجاءَ فَضَرَبَ المشركَ من ورائِه على حَبْلِ عاتقِه فَقَطَعَ دِرْعَهُ وَقَطَعَ حبلَ عاتقِه، قال: فَرَجَعَ إِلَيَّ فضمني ضَمَّةً شممتُ منها ريحَ الموتِ، ثم أَدْرَكَهُ الموتُ فَأَرْسَلَنِي. ثم إنه بعدَ ذلك سَأَلَ عن درعِ ذلك الرجلِ لِيَأْخُذَهَا؛ لأَنَّهُ قاتِلُه، والنبيُّ ﷺ قَالَ: «مَنْ قَتَلَ قَتِيلاً لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ فَلَهُ سَلَبُهُ» فَنَادَى أبو قتادةَ: مَنْ يَشْهَدُ لِي؟ فلم يَجِدْ أحدًا يشهدُ له، فَأَخْبَرَ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، فقال رجلٌ من القومِ: هو عندي يا رسولَ اللَّهِ، فَأَرْضِهِ منه. قال له أبو بكر: لاَهَا اللَّهِ لاَ يعمدُ إلى أسدٍ من أسودِ اللَّهِ يقاتلُ عن اللَّهِ ورسولِه فيعطيك سَلَبَهُ!! قال له صلى الله عليه وسلم: «صَدَقَ أَبُو بَكْرٍ» (٢).
_________
(١) مضى عند تفسير الآية (٤١) من سورة الأنفال.
(٢) السابق.