وهذا الذي ذَكَرْنَا - أن اتباعَ نظامِ إبليسَ، وَتَرْكَ نظامِ خالقِ السماواتِ والأرضِ - أنه كُفْرٌ، قد بَيَّنَّا في هذه الدروسِ مِرَارًا أن النظمَ ليست كُلُّهَا على وتيرةٍ واحدةٍ، بل هي نَوْعَانِ: نظامٌ إداريٌّ، ونظامٌ شَرْعِيٌّ.
أما النظامُ الإداريُّ الذي لا يخالف نصوص الشرع، بل قد تشهد أصول الشرع للمصلحة فيه، فهذا ليس أحد يقول: إنه كفر، ولا حرام، والصحابة (رضي الله عنهم) جعلوا بعد النبي - ﷺ - أشياء كثيرة من هذا، ولم يقع بينهم فيها خلافٌ، بَيَّنَّا بَعْضَ أمثلتِها، من ذلك أنه في زمنِ النبيِّ - ﷺ - وزمنِ أبي بكرٍ لم يَكُنِ الْجُنْدُ مكتوبًا في ديوانٍ، فَمَنْ أرادَ أن يتخلفَ قد يتخلفُ ولاَ يُطَّلَعُ على تَخَلُّفِهِ إلا بعدَ زمنٍ؛ ولأَجْلِ ذلك ثَبَتَ أن النبيَّ - ﷺ - لَمَّا تَخَلَّفَ عنه - في غزوةِ تبوكَ - كعبُ بنُ مالكٍ (رضي الله عنه) لم يَتَفَقَّدْ كَعْبًا، ولم يسأل عنه حتى وَصَلَ تَبُوكَ (١)، ولم يَدْرِ أهو موجودٌ في الجيشِ أو غيرُ موجودٍ فيه؛ لأنهم لم يَكُنْ عندهم ديوانٌ، وكذلك زَمَنَ أبي بكرٍ، فلما كانت الخلافةُ إلى عمرَ كَتَبَ أسماءَ الْجُنْدِ في ديوانٍ، فَدَوَّنَ جميعَ أسماءِ الْمُقَاتِلِينَ في ديوانٍ (٢)،
فصارَ إذا تَخَلَّفَ واحدٌ عُرِفَ مِنْ وقتِه أنه
_________
(١) قصة تخلف كعب (رضي الله عنه) أخرجها البخاري في صحيحه، كتاب الوصايا، باب: إذا تصدق أو وقف بعض رقيقه أو دوابه فهو جائز. حديث رقم (٢٧٥٧)، (٥/ ٣٨٦)، وأخرجها في مواضع متفرقة. انظر: الأحاديث (٢٩٤٧)، (٢٩٤٨)، (٢٩٤٩)، (٢٩٥٠)، (٣٠٨٨)، (٣٥٥٦)، (٣٨٨٩)، (٣٩٥١)، (٤٤١٨)، (٤٦٧٣)، (٤٦٧٦)، (٤٦٧٧)، (٤٦٧٨)، (٦٢٥٥)، (٦٦٩٠)، (٧٢٢٥)، ومسلم، كتاب التوبة، باب: حديث توبة كعب بن مالك وصاحبيه، حديث رقم: (٢٧٦٩)، (٤/ ٢١٢٠).
(٢) انظر: مختصر تاريخ دمشق لابن منظور (١٨/ ٣١٩)، التراتيب الإدارية (١/ ٢٢٥)..
القبول (١). فقال له: «أرَأَيْتَ لَوْ تَمَضْمَضَ؟». فكأن النبي يشير إلى أن التقبيل إذا لم يُنْزِل منه صاحبه، ولم يخرج منه شيء أنه كالمَضْمَضَة، بجامع أن كلًّا منهما مقدمة الإفطار، وليس في واحدٍ منهما إفطار؛ لأن المضمضة مقدمة الشرب، والتقبيل مقدمة للجماع، فألحق النظير بنظيره، وأمثال هذا كثيرة جدّاً.
ومن هنا نعلم أن قَوْلَ ابْنِ حَزْمٍ: إن الضمير في قوله: ﴿فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ عائدٌ إلى الخنزير كله -ليكون الشحم داخلاً في النص، لا مسكوتاً عنه ملحقاً بالمنطوق به- أنه غير صحيح، وأن الضمير راجع إلى لحم الخنزير الذي هو المُحدَّث عنه، وأن الشحم مسكوت عنه، ولكنه أُلحق به، والشحم هو واللحم قد يفترقان في الأحكام، كما سيأتي فيما حُرِّمَ على اليهود: أنه قد يُحْرَمُ عَلَيْهِمْ هذا دون هذا.
[١٩/ب] وقد يُجاب في خصوص آية لحم الخنزير هذه جواب آخر،/هو معروفٌ عند العلماء، لكن ابن حزم لم يهتد للاحتجاج به، أن اللحم أعم من الشحم، فإن العرب تقول: اكْتَل لي لحم هذه الشاة. وقد يكون لحمها معه شحم كثير وهو داخل فيه، فهذا
_________
(١) أخرجه أحمد (١/ ٢١، ٥٢)، وابن أبي شيبة (٣/ ٦٠ - ٦١)، والدارمي (١/ ٣٤٥)، وأبو داود في الصوم، باب القُبلة للصائم، حديث رقم: (٢٣٦٨)، (٧/ ١١)، والنسائي في الكبرى كتاب الصيام، باب المضمضة للصائم، حديث رقم: (٣٠٤٨)، (٢/ ١٩٨ - ١٩٩)، وابن خزيمة (١٩٩٩)، (٣/ ٢٤٥)، وابن حبان (الإحسان ٥/ ٢٢٣)، والحاكم (١/ ٤٣١)، والبيهقي (٤/ ٢١٨، ٢٦١)، والطحاوي في شرح المعاني (٢/ ٨٩). وانظر: صحيح سنن أبي داود (٢/ ٤٥٣).
ذاتِه، ولا أفعالِه، وأن جميعَ تلك الصفاتِ بما فيها الاستواءُ لا يجوزُ جَحْدُ شيءٍ منها ولا إنكارُه.
الموضعُ الأولُ من المواضعِ السبعةِ بحسبِ ترتيبِ المصحفِ الكريمِ: هو قولُه هنا في سورةِ الأعرافِ: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)﴾ [الأعراف: الآية ٥٤] فَانْظُرُوا هذا من صفاتِ الكمالِ والجلالِ هل يمكن أن يُحَرَّف شيءٌ منه، أو يُجحد شيءٌ منه؟ لا وَكَلاَّ.
والموضعُ الثاني: قولُه تعالى في سورةِ يونسَ: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ (٣) إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (٤) هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلاَّ بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٥) إِنَّ فِي اخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَّقُونَ (٦)﴾ [يونس: الآيات ٣ - ٦] فانظروا هذا من صفاتِ الكمالِ والجلالِ هل يمكنُ أن يُجْحَدَ شيءٌ منه، أو يُكذب بشيءٍ منه؟ لاَ وَكَلاَّ.
الموضعُ الثالثُ: قولُه تعالى في أولِ سورةِ الرعدِ: {تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَالَّذِيَ أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ الْحَقُّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ (١) اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُّسَمًّى يُدَبِّرُ الأَمْرَ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ (٢)
بعض العلماء: نفر من اليهود، ولا مَانِعَ مِنْ أن يكون كلٌّ منهم سألوه عنها. ولا شك أن كفار مكة كانوا يسألونه عن الساعة وينكرون مجيئها ويزعمون أنها لا تأتي، كما في قوله: ﴿يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ اللَّهِ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا (٦٣)﴾ [الأحزاب: آية ٦٣] وبيّن أَنَّ كُفَّارَ مَكَّةَ يستعجلون بها إنكارًا منهم لها، كما في قوله: ﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ أَلاَ إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلاَلٍ بَعِيدٍ (١٨)﴾ [الشورى: آية ١٨] سواء قلنا: إن السائلين عنها كفار مكة أو اليهود.
﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا﴾ (أيان): ظرف زمان بمعنى (متى) (١). قال ابن جني: وزنه (فَعلان) أصله من «أيَّ» أي وقت يكون فيه هذا؟ فزيد فيه الألف والنون وبُني على الفتح لشبهه بالحرف الشبه المعنوي، كما هو معروف في محلِّه.
وعلى كل حال فـ (أيان) سؤال عن زمن، فهي من ظروف الزمان بمعنى (متى) وربما ضُمِّنت معنى الشرط فجزمت فعلين.
وقوله: ﴿مُرْسَاهَا﴾ المُرْسَى: اسم زمان، والمعنى: في أي وقت يكون زمان رُسُوِّها، أي: وجودها وثبوتها. وقد تَقَرَّر في علم التصريف: أن كل فِعْل زاد ماضيه على ثلاثة حروف من الرباعي فصاعدًا أنه يستوي وزن مصدره الميمي، واسم مكانه، واسم زمانه، وكلها بصيغة اسم المفعول، كما هو مقرر في محله مشهور (٢).
_________
(١) انظر: الدر المصون (٥/ ٥٢٩)، اللسان (مادة: أين) (١/ ١٤٨).
(٢) انظر: التوضيح والتكميل (٢/ ٨٣).
ذَهَبْتَ عنه لاَ يَضُرُّكَ بشيء (١)، فسألوا رسولَ اللَّهِ ﷺ أن يدعوَ عليهم فَأَبَى أن يدعوَ عليهم، وقال: «اللَّهُمَّ اهْدِ ثَقِيفًا وَائْتِ بِهِمْ» (٢)
ثم بعدَ ذلك أَسْلَمُوا، وجاؤوا وَافِدِينِ إلى رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وكان النبيُّ ﷺ أَمَرَ بالسبايا والمغانمِ فذهبَ بها رجلٌ أَمَّرَهُ عليها إلى الجعرانةِ وكانت هناك حتى رَجَعَ رسولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ حِصَارِهِ إلى الطائفِ، فَلَمَّا رَجَعَ جَاءَه وفدُ هوازنَ مُسْلِمِينَ، وقام خطيبُهم زهيرُ بنُ صردٍ أبو صرد أمامَ النبيِّ ﷺ وقال له: يَا نَبِيَّ اللَّهِ إنَّا أصلٌ وعشيرةٌ، وإنه قد وَقَعَ بنا ما ترى، وإنا تُبْنَا إلى اللَّهِ وَرَجِعْنَا مُسْلِمِينَ. ولو وَقَعَ ما وقع بنا وجئنا الحارثَ بنَ أَبِي شمر الغسانيَّ أو النعمانَ بنَ المنذرِ لَرَجَوْنَا عَائِدَتَهُ بالخيرِ وَعَطْفَهُ عَلَيْنَا، وأنتَ خيرُ مكفولٍ، وكذا وكذا، فَرُدَّ علينا أموالَنا ونساءَنا. قال لهم صلى الله عليه وسلم: «اخْتَارُوا أَيَّهُمَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ: أَسَبْيُكُمْ أَمْ أَمْوَالُكُمْ؟» فقالوا: خَيَّرْتَنَا بَيْنَ أَحْسَابِنَا وأموالِنا فنختارُ نساءَنا وأولادَنا. فقال لهم النبيُّ صلى الله عليه وسلم: «أَمَّا مَا كَانَ لِي وَلِبَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَهُوَ لَكُمْ» فقال المهاجرونَ: ما كان لنا منها فهو لرسولِ اللَّهِ. وقال الأنصارُ: ما كان لنا فهو لرسولِ اللَّهِ. وقال الأقرعُ بنُ حابسٍ التميميُّ: أما أنا وبنو تميمٍ فَلاَ، وقال عيينةُ بنُ حصنٍ الفزاريُّ: أَمَّا أَنَا وبنو فزارةَ فَلاَ، وقال عباسُ بنُ مرداسٍ السلميُّ: أما أنا وبنو سليمٍ
_________
(١) ذكره ابن كثير في تاريخه (٤/ ٣٥٠) وعزاه للواقدي.
(٢) أخرجه أحمد (٣/ ٣٤٣)، والترمذي في المناقب، باب مناقب ثقيف وبني حنيفة. حديث رقم: (٣٩٤٢) (٤/ ٧٢٩)، والواقدي في المغازي (٣/ ٩٣٦ - ٩٣٧)، وابن سعد في الطبقات (٢/ ١١٤) والطبري في التاريخ (٣/ ١٣٣) وذكره ابن القيم في الهدي (٣/ ٤٩٧)، وابن كثير في التاريخ (٤/ ٣٥٠)، والحافظ في الفتح (٨/ ٤٥).
وانظر: ضعيف الترمذي ص٥٢٧، مرويات غزوة حنين (١/ ٣٣٦ - ٣٣٧).