ويقولونَ له: ﴿عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ﴾ [ص: آية ١٦] ﴿إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال: آية ٣٢]، ﴿وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَّعْدُودَةٍ لَّيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ﴾ [هود: آية ٨] قُلْ يَا نَبِيَّ اللَّهِ لهؤلاء المتمردين الْمُتَعَنِّتِينَ، الذين يستعجلونَ بالعذابِ تَعَنُّتًا وَعِنَادًا: ﴿لَّوْ أَنَّ عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ﴾ أي: العذاب الذي تستعجلونَ به، لو كان بِيَدِي لَعَجَّلْتُهُ عليكم، وَقُضِيَ الأمرُ بيني وبينَكم، وَسَلِمْتُ من ذلك لأَنَّنِي على حَقٍّ، وَأَهْلَكَكُمُ العذابُ هلاكَ استئصالٍ، وَاسْتَرَحْتُ مِنْكُمْ.
وفي هذه الآيةِ الكريمةِ سؤالانِ لطالبِ الْعِلْمِ أن يسألَ عنهما: أحدُهما نَحْوِيٌّ، والثاني وَحْيِيٌّ (١).
أما النحويُّ فهو أن يقولَ طالبُ العلمِ: همزةُ (أن) إذا فُتِحَتْ
_________
(١) لم يذكر السؤال الثاني هنا، وقد ذكره في أضواء البيان (٢/ ١٩٤) حيث قال:
تنبيه: قوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿قُل لَّوْ أَنَّ عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الأَمْرُ﴾ الآية، صريح في أنه - ﷺ - لو كان بيده تعجيل العذاب عليهم لعجله عليهم، مع أنه ثبت في الصحيحين من حديث عائشة (رضي الله عنها): أن النبي - ﷺ - أرسل الله إليه ملك الجبال، وقال له: إن شئت أطبقت عليهم الأخشبين - وهما جبلا مكة اللذان يكتنفانها - فقال - ﷺ -: «بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله لا يشرك به شيئا».
والظاهر في الجواب: هو ما أجابه به ابن كثير - رحمه الله - في تفسير هذه الآية، وهو أن هذه الآية دلّت على أنه لو كان إليه وقوع العذاب الذي يطلبون تعجيله في وقت طلبهم تعجيله لعجله عليهم، وأما الحديث فليس فيه أنهم طلبوا تعجيل العذاب في ذلك الوقت، بل عرض عليه الملك إهلاكهم فاختار عدم إهلاكهم، ولا يخفى الفرق بين المتعنت الطالب تعجيل العذاب وبين غيره..
عن طاعة الله؛ لأن النَّحْرَ وإِرَاقَةَ الدم من أعظم القربات التي يُتَقَرّب بها إلى الله (جل وعلا)، وهي من الحِكَم التي نادى فيها للحج: ﴿وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً﴾ [الحج: الآية ٢٧] ثم بين الحِكَم فقال: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ [الحج: الآية ٢٨]، ذكرها عند التذكية تقَرُّباً بها إلى الله، وقَدْ بَيَّنَ الله (جل وعلا) أَنَّ مَنْ تَقَرَّبَ بالدِّمَاءِ يريد وَجْهَ اللهِ أن ذلك من التَّقْوَى الذي يرضي الله: ﴿لَن يَنَالَ اللهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ﴾ [الحج: الآية ٣٧] ولذا كان الشيء إذا ذُبِحَ لِغَيْرِ الله كان ذلك من أكْبَرِ الكُفْرِ، وكانت تلك الذَّبِيحَةُ مِنْ أخْبَثِ الخبث، وذلك الفعل من أفْسَقِ الفِسْقِ؛ ولذا سَمَّاهُ اللهُ فِسْقاً.
وأصل الإهلال في لغة العرب هو رفع الصوت (١)، تقول: اسْتَهَلَّ المولُودُ صارخاً: إذا رَفَعَ صَوْتَهُ عند الولادة، وإنما سُمِّيَ الشهر (هلالاً) لأنهم كانوا يرفعون أصواتهم عند رؤيته، وإنما قيل له: ﴿أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللهِ﴾ لأنهم كانوا إذا ذبحوا لغير الله رفعوا أصواتهم باسم الأصنام، فصار يُطلق على كل ما ذُبِحَ لغير الله: (أهل لغير الله به).
ثم بَيَّنَ (جَلَّ وَعَلَا) أن هذه المحرمات الأربع، التي هي: الميتة، والدم، ولحم الخنزير، وما أهل لغير الله به، أن مَحَلَّ تَحْرِيمِهَا ما لم تَدْعُ الضرورة الفَاحِشَةُ إلَيْهَا، أما إن دَعَتِ الضرورة إليها فإنَّها تُبَاحُ لِلضَّرُورَاتِ؛ لأن هذا النبي الكريم -سيد الرسل،
_________
(١) انظر ابن جرير (٣/ ٣١٩)، المفردات (مادة: هلل) ٨٤٣، القرطبي (٢/ ٢٢٤).
العالمين، وتصديقُ ربِّ العالمين، وتصديقُ رسولِه تصديقًا مَبْنِيًّا على أساسِ التنزيهِ، والبعدِ عن مشابهةِ الخلقِ، ووقوفِ العقلِ عند حَدِّهِ، وعدمِ تَعَدِّيهِ لطورِه، فهذا طريقِ سلامةٍ محققةٍ لاَ يشكُّ فيها عاقلٌ أبدًا، وَبَيَّنَّا أن ما يسمونَه مذهبَ [الخلفِ] (١) يستلزمُ بلايا أَوْضَحْنَاهَا فَأَغْنَى ذلك عن إعادتِها اليومَ، ولا يأمنُ معتقدُها أن تأتيَه منها بلايا يومَ القيامةِ قد لا يتخلصُ منها.
فالذي نُوصِي به أنفسَنا وإخوانَنا المسلمين تقوى اللَّهِ، وأن لا يَتَهَجَّمُوا على صفاتِ اللَّهِ بِأَنَّ ظاهرَها غيرُ لائقٍ، وأنه ظاهرٌ خبيثٌ، وأن لا يَتَهَجَّمُوا بِنَفْيِهَا، بل ينزهونَ خالقَهم أولاً ثم يصدقونَه فيما مَدَحَ به نفسَه، فيؤمنونَ بما أثبتَ لنفسِه إيمانًا مَبْنِيًّا على أساسِ ذلك التنزيهِ على نحوِ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ ويعلمونَ أن عقولَهم المسكينةَ المخلوقةَ عاجزةٌ عن إدراكِ الإحاطةِ وكيفيةِ الكُنْهِ: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا (١١٠)﴾ [طه: الآية ١١٠] وإنما أَكْثَرْنَا من تكرارِ هذه المسألةِ لشدةِ الحاجةِ إليها؛ ولأن كثيرًا من الناسِ يدَّعي على صفاتِ اللَّهِ أن ظاهرَها غيرُ لائقٍ، وأنه خبيثٌ، ثم ينفيها ويأتي ببدلِها من تلقاءِ نفسِه، وهذه أمورٌ قد لاَ تُخْرِجُ صاحبَها عِنْدَ اللَّهِ، قد لا يتخارجُ منها لأنه كأنه يقولُ لِلَّهِ: هذا الذي مَدَحْتَ به نفسَك في كتابك مُعَلِّمًا خلقَك أن يمدحوك به، ظاهرُه خبيثٌ نجسٌ لا يليقُ، ثم ينفيه، ثم يأتي بتأويلٍ آخَرَ من تلقاءِ نفسِه، هذه الطريقُ شائكةٌ غيرُ مأمونةٍ، ولاسيما إذا وجدَ الناسُ مَنْ يُبَيِّنُ لهم ما تحتَها من المخاطرِ، وَيُبَيِّنُوا لهم المعتقدَ السلفيَّ الصحيحَ الواضحَ الذي لاَ إشكالَ فيه ولا لبسَ، ولا خطرَ
_________
(١) في الأصل: «السلف» وهو سبق لسان.
العالم، فبين في ذلك اليوم أَنَّ الجِبَال تُنزع من الأرض وتُطَيَّر بين السماء والأرض، وهو قوله: ﴿وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ﴾ [النبأ: آية ٢٠] وقوله: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الأَرْضَ بَارِزَةً﴾ [الكهف: آية ٤٧] وقوله: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾ أي: في ذلك اليوم بعد أن تُنزع من الأرض وتُسير بين السماء والأرض.
وما يزعمه بعض من لا علم له بأن ذلك في دار الدنيا، وأن الجبال سائرة في دورة الأرض، فهو تحريف لكتاب الله وتفسير له بغير معناه، وصاحبه سلخ آخر الآية من أولها؛ لأن أول الآية: ﴿وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الأَرْضِ﴾ ثم قال: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً﴾ [النمل: الآيتان ٨٧، ٨٨] أي: ويوم ينفخ في الصور فيفزع من في السماوات والأرض ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ﴾ في ذلك اليوم ﴿تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ﴾ [النمل: آية ٨٨] ومرورها ذلك اليوم هو سيرها المعبَّر عنه بقوله: ﴿وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا (٢٠)﴾ [النبأ: آية ٢٠] وقوله: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الأَرْضَ بَارِزَةً﴾ [الكهف: آية ٤٧] ثم إنّ رب السماوات والأرض يطحن تلك الجبال بقوته، فقساوة الجبال وشدتها عنده لا شيء لعظمته وكمال قدرته فيطحنها (جل وعلا) ويفتتها؛ وبعد تفتيتها مرّة شُبهت بالبسيسة - والبسيسة: دقيق ملتوت بسمن - وهو قوله: ﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا (٥)﴾ [الواقعة: آية ٥] أي: فُتت حتى صارت كالبسيسة. وتارة شبهها في لينها وانتزاع القسوة منها بالعهن المنفوش، كقوله: ﴿وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ﴾ [القارعة: آية ٥]. وتارة شبّهها بالرمل الليّن المتهايل في قوله: ﴿وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَّهِيلاً﴾ [المزمل: آية ١٤]. ثم إن الله (جل وعلا) يصيرها في آخر أمرها سرابًا كما قال: {وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ
القتالِ، فَلَمَّا أرادَ النبيُّ ﷺ أن يعوضَه قال له: إِنَّ في قلبِي اليومَ ما لم يَكُ في قلبِي بالأمسِ، إني صرتُ أرغبُ في الإيمانِ. ولم يَأْخُذْ عِوَضَ أدراعه، قال بعضُ العلماءِ: لَمَّا أرادَ الخروجَ اسْتَسْلَفَ مِنْ ربيعةَ المخزوميِّ آلافًا كثيرةً يستعينُ بها، وَأَعْطَى المؤلفةَ قلوبُهم.
وَلَمَّا وقعَ بالمسلمينَ ما وقع أولاً وَوَلَّوْا مُدْبِرِينَ كان بعضُ قريشٍ إيمانُهم في ذلك الوقتِ لم يكن قويًّا حتى ذَكَرُوا مثلَه عن أبِي سفيانَ بنِ حربٍ (رضي الله عنه) قالوا: كانَ في ذلك الوقتِ إيمانُه مدخولاً، فقال: هزيمتُهم لا يَرُدُّهَا البحرُ (١). وكان مع صفوانَ بنِ أميةَ أخوه لأُمِّهِ - وصفوانُ بنُ أميةَ في ذلك الوقتِ على شِرْكِهِ، ومعه أخوه لأُمِّهِ - بعضُهم يقول: اسمُه كلدةُ بنُ الحنبلِ. فلما وَقَعَ بالمسلمينَ ما وَقَعَ أولاً وَوَلَّوْا مُدْبِرِينَ قال: الآنَ بَطَلَ سحرُ محمدٍ. فقال له صفوانُ بنُ أميةَ وهو مُشْرِكٌ: اسْكُتْ فَضَّ اللَّهُ فَاكَ، وَاللَّهِ لأَنْ يَرُبَّنِي رجلٌ من قريشٍ أَحَبُّ إِلَيَّ من أن يَرُبَّنِي رجلٌ من هوازنَ (٢).
وكان شيبةُ بنُ عثمانَ بنِ أبي طلحةَ قُتِلَ أبوه عثمانُ بنُ أبي طلحةَ يومَ أُحُدٍ في حَمَلَةِ اللواءِ من بَنِي عبدِ الدارِ، وَعَمُّهُ طلحةُ بنُ أبِي طلحةَ وغيرُه من أعمامِه، وكان حَنِقًا على النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فَخَرَجَ في غزاةِ حنينٍ وهو على كُفْرِهِ يريدُ أن يصادفَ غرةً من رسولِ اللَّهِ ﷺ ليقتلَه ويأخذَ بثأرِه، فلما انْكَشَفَ المسلمونَ وَوَقَعَ ما
_________
(١) أخرجه البيهقي في دلائل النبوة (٥/ ١٢٨)، والطبري في تاريخه (٣/ ١٢٨)، وذكره ابن هشام ص١٢٩٠، وابن كثير في تاريخه (٤/ ٣٢٧) وانظر: مرويات غزوة حنين (١/ ١٦٣).
(٢) مضى عند تفسير الآية (٤٥) من سورة الأنعام.


الصفحة التالية
Icon