وقوله جل وعلا: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ أي: لم يَخْلِطُوا إيمانَهم بشركٍ ﴿أُولَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ﴾ كإبراهيمَ وَمَنْ سَارَ على سَيْرِهِ. ﴿وَهُم مُّهْتَدُونَ﴾ على طريقٍ صحيحةٍ.
يُفْهَمُ من مفهومِ مخالفةِ الآيةِ: أن الذين لم يؤمنوا وكانوا يلبسون كُلَّ شيءٍ بِظُلْمِهِمْ وَكُفْرِهِمْ وعبادتِهم للأصنامِ لاَ أَمْنَ لهم في الدنيا ولا في الآخرةِ، وليسوا مُهْتَدِينَ. هذا معنَى الآيةِ الكريمةِ.
[٨/أ] / قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (٨٣) وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلاًّ هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٤) وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٨٥) وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلاًّ فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ (٨٦) وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٨٧) ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٨٨) أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلاَءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ (٨٩) أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ (٩٠)﴾ [الأنعام: الآيات ٨٣ - ٩٠].
يقول اللَّهُ جل وعلا: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام: الآية ٨٣].
وتأتي متعدية ولازمة، فمن إتيانها متعدية قوله هنا: ﴿هَلُمَّ شُهَدَاءكُمُ﴾ [الأنعام: الآية ١٥٠] أي: أَحْضِرُوا شهداءكم وقَرِّبُوهم، ومن إتيانها لازمة قوله في الأحزاب: ﴿وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾ [الأحزاب: الآية ١٨] أي: اقربوا قريباً منا، ولم تكن هناك متعدية، والمعنى: أَحْضِرُوا شهداءكم الذين يشهدون لكم أن الله حرم هذا الذي ادعيتم أنه حرام.
ثم قال لِنَبِيِّه: فإن تجرءوا على الشهادة الكاذبة الباطلة -شهادة الزور على الله- فلا تشهد معهم؛ لأنهم كلهم كَذَبَة فَجَرَة مُتَعَاضِدُون على الكذب، يُصَدِّق بعضهم بعضاً في ﴿فَلاَ تَشْهَدْ مَعَهُمْ﴾.
ثم قال: ﴿وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاء الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا﴾ فالخطاب للنبي - ﷺ -، ومعلوم أن النبي لا يتبع أهواء الذين كذبوا بآيات الله، هذا أمر لا شك فيه، كقوله: ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً﴾ [الإنسان: الآية ٢٤]. ومعلوم أنه لا يطيع آثماً ولا كفوراً، هذا معروف، فالله (جل وعلا) يخاطب النبي - ﷺ - مخاطبة السيد لعبده، ومراده بخطابه -في أشياء لا تقع منه - ﷺ - أبداً- ليشرع على لسانه لأمته، كما بيناه مراراً (١). ومن أمثال العرب: (إياكِ أعني واسمعي يا جارة) (٢) معناها: إياكِ أعْنِي، والمقصود عندي هي جارتك الأخرى، وهذا مَثَل مَعْرُوفٌ، وقد قَدَّمْنَا في هذه الدروس مراراً أن أصل هذا المثل من أبيات رَجَز لرجل من بني فزارة يُسمَّى: سهل بن مالك الفزاري، نزل في بيت حارثة بن لأْم الطائي المشهور فوجده غائباً،
_________
(١) مضى عند تفسير الآية (٩٠) من سورة الأنعام.
(٢) مضى عند تفسير الآية (١١٤) من سورة الأنعام.
وقولُه: ﴿يَشْكُرُونَ﴾ [الأعراف: آية ٥٨] مفعولُه محذوفٌ، أي: يشكرونَ لله نِعَمَهُ. وهذه الآيةُ تُبَيِّنُ أن مِنْ أعظمِ إنعامِ اللهِ هو هذا القرآنُ العظيمُ وتصريفُ الآياتِ فيه وَبَيَانُهَا للناسِ؛ لأن أعظمَ النعمِ هو إنزالُ هذا القرآنِ العظيمِ وبيانُ ما فيه من الآياتِ مِمَّا يُرْضِي اللَّهَ، ومما يستجلبُ المعاطبَ والمخاوفَ، ومما يستجلبُ السلامةَ؛ وَلِذَا بَيَّنَ اللَّهُ أن إنزالَه فضلٌ كبيرٌ على الخلقِ لَمَّا قال: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ وقسَّمهم فقال: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ وَبَيَّنَ أن إنزالَ القرآنِ العظيمِ أكبرُ فَضْلٍ، قال: ﴿ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ [فاطر: آية ٣٢] أي: الفضلُ الكبيرُ من اللهِ عليهم حيثُ أَنْزَلَ لهم كتابَه يُتْلَى، مَحْفُوظًا، يُبَيِّنُ لهم ما يُقَرِّبُهُمْ إلى رَبِّهِمْ، وما يُبْعِدُهُمْ من النارِ، وما يهذبُ نفوسَهم ويربِّي أرواحَهم، ويرفعُ أخلاقَهم، وَيُبَيِّنُ لهم مكارمَ الأخلاقِ، إلى غيرِ ذلك؛ وَلِذَا قال هنا: ﴿لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ﴾ فَبَيَّنَ أن تفصيلَ الآياتِ لإيضاحِها في هذا القرآنِ نعمةٌ عُظْمَى من اللَّهِ يستحقُّ أن يُشْكَرَ عليها؛ وَلِذَا عَلَّمَ خَلْقَهُ أن يحمدوه على هذه النعمةِ العظمى التي هي إنزالُ القرآنِ، قال في أولِ الكهفِ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا (١)﴾ [الكهف: آية ١] فقولُه: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ﴾ تعليمٌ من اللهِ لخلقِه أن يحمدوه أعظمَ الحمدِ على هذه النعمةِ العظمى الكبرى التي هي إنزالُ هذا القرآنِ العظيمِ، وأشارَ لذلك بقولِه هنا: ﴿لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ﴾.
وقد بَيَّنَّا في هذه الدروسِ مِرَارًا (١) أن أصلَ الشكرِ في لغةِ العربِ رُبَّمَا يُرَادُ به: الظهورُ، وَلِذَا تُسَمِّي العربُ الغصنَ الذي يَنْبُتُ
_________
(١) مضى عند تفسير الآية (٥٢) من سورة البقرة.
فيه. ومنه قول أسماء بن خارجة وقيل حاتم الطائي (١):

خُذِي العَفْوَ مِنِّي تَسْتَدِيمِي مَوَدَّتِي ولاَ تَنْطِقِي فِي سَوْرَتي حِينَ أغضبُ
ومنه قول حسان (رضي الله عنه) يمدح المهاجرين في شعره المشهور الذي فاخر به وفد تميم (٢):
خُذْ مِنْهُمُ مَا أَتَوْا عَفْوًا إذا غَضِبُوا ولا يكُنْ همُّكَ الأَمْرَ الَّذِي مَنَعُوا
وهذا معنى معروف في كلام العرب، ومنه قول الآخر (٣):
إِذَا مَا بُلْغَةٌ جَاءَتْكَ عَفْوًا فَخُذْهَا فالغِنَى مَرْعًى وَشرْبُ
فعلى هذا ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ ما تسهَّل لك من أخلاق الناس ووجدت منهم طيبًا بلا كلفة فخذه، وما جاءك من غير ذلك فاصفح عنه وتجاوَزْهُ، كما قال: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾.
وقوله: ﴿وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ العرب تطلق لفظة العُرف والمعروف والعارفة على كل خصلة جميلة تستحسنها العقول وتطمئن إليها النفوس (٤). معناه: وأمر بكل معروف جميل تطمئن إليه النفوس. وهذا معنى قوله: ﴿وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ وهذا المعنى معروف في كلام العرب، ومنه قول الحطيئة (٥):
_________
(١) البيت في تاريخ دمشق (٩/ ٥٧، ٥٨)، شواهد الكشاف ص٩، مع عزوه لأسماء بن خارجة. وذكره ابن قتيبة في عيون الأخبار (٣/ ١١)، (٤/ ٧٧)، وعزاه لأبي الأسود الدؤلي، وذكره ابن القيم في روضة المحبين ص٧١، والشيخ (رحمه الله) في الأضواء (١/ ٤٦).
(٢) ديوان حسان ص١٥٣.
(٣) البيت لأبي الحسن البصروي، وهو في تاريخ بغداد (٣/ ٢٣٦)، البحر المحيط لأبي حيان (٤/ ٤٤٨).
(٤) انظر: القرطبي (٧/ ٣٤٦).
(٥) البيت في قواعد الشعر لثعلب ص٧٠، عيار الشعر ص١٨٢، القرطبي (٧/ ٣٤٦).
وقال بعضُ العلماءِ: (قَاتَلَهُ اللَّهُ) كلمةُ تعجبٍ تقولُها العربُ إذا تَعَجَّبَتْ من شَيْءٍ يقولونَ: قَاتَلَ اللَّهُ فلانًا ما أَفْعَلَهُ لكذا. أو ما أَشَدَّ استحقاقَه لأن يُقْتَلَ، أو نحو ذلك.
قولُه: ﴿أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ ﴿يُؤْفَكُونَ﴾ (يُفْعَلُونَ) من الإفكِ، والإفكُ: أسوأُ الكذبِ؛ لأن أصلَ مادةِ (أَفَكَهُ) إذا قَلَبَهُ. كُلُّ شيءٍ قَلَبْتَهُ فقد (أَفَكْتَهُ) ومنه قيل لِقُرَى قومِ لوطٍ: (المؤتفكات) لأن جبريلَ أَفكَها، أي: قَلَبَهَا فجعلَ عاليَها سافلَها. وإنما سُمِّيَ أسوأُ الكذبِ (إفكًا) لأنه صَرْفٌ للكلامِ في معناه الصحيحِ إلى معانِي أُخَرَ كاذبةٍ (١). وهذا معنَى قولِه: ﴿قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [التوبة: آية ٣٠].
قال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣١) يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلاَّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (٣٢) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٣٣)﴾ [التوبة: الآيات ٣١ - ٣٣].
يقول اللَّهُ (جلَّ وعلا): ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣١)﴾ [التوبة: آية ٣١].
ذَكَرَ اللَّهُ (جلَّ وعلا) في هذه الآياتِ الكريماتِ من سورةِ براءة
_________
(١) مضى عند تفسير الآية (٨٠) من سورة الأعراف.


الصفحة التالية
Icon