كَأَنَّ رَحْلِي وقَدْ زَالَ النَّهارُ بِنَا بِذِي الْجَلِيلِ عَلَى مُسْتَأْنَسٍ وَحَدِ
مِنْ وَحْشِ وَجْرَةَ مَوْشِيٌّ أَكَارِعُهُ طَاوِي الْمُصَيْرِ كَسَيْفِ الصَّيْقَلِ الْفَرَدِ
وَيُرْوَى: الفَرِدِ (١)، وَالْفَرَدُ: هو الوحيدُ الذي لا شيءَ مَعَهُ، ﴿جِئْتُمُونَا فُرَادَى﴾ كُلُّ وَاحِدٍ منكم فَرْدًا بمفردِه، ليس مَعَهُ مالٌ، ولا ولدٌ، ولاَ حشمٌ، ولاَ خَدَمٌ، حتى إنه حَافٍ عَارٍ لَيْسَ بِمَخْتُونٍ (٢). وهذا معنَى: ﴿كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾.
وفي إعرابِ (الكافِ) من (كَمَا خَلَقْنَا) وجهانِ مِنَ الإِعْرَابِ (٣):
أحدُهما: أنه في مَحَلِّ نصبٍ نَعْتًا لِمَصْدَرٍ. والمعنَى: جِئْتُمُونَا مجيئًا مُشَابِهًا لِخَلْقِنَا لكم أَوَّلاً في التجردِ عن المالِ والأعوانِ والحشمِ والخدمِ.
الثاني: أنه في مَحَلِّ الحالِ. أي: جِئْتُمُونَا فُرَادَى في حالِ كونِكم مُشَابِهِينَ حالتَكم الأُولَى التي وُلِدْتُمْ عليها؛ لأَنَّ الواحدَ منكم يخرجُ من بطنِ أُمِّهِ فَرْدًا لاَ مالَ له، ولا ولدَ، ولا حشمَ ولا خدمَ. وهذا معنَى: ﴿كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾.
﴿وَتَرَكْتُم مَّا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ﴾ العربُ تقولُ: «خَوَّلَهُ» إذا أَعْطَاهُ وَأَنْعَمَ عليه، ﴿مَّا خَوَّلْنَاكُمْ﴾: أَيْ: ما أَعْطَيْنَاكُمْ، وَأَنْعَمْنَا عليكم بِهِ مِنَ المالِ والخَوَلِ والخدمِ تَرَكْتُمُوهُ وراءَكم، أي: خَلْفَكُمْ، حيث مُتُّمْ عنه ولم يَأْتِ مَعَكُمْ.
_________
(١) انظر: ابن جرير (١١/ ٥٤٣ - ٥٤٤)، المفردات (مادة: فرد) ٦٢٩، القرطبي (٧/ ٤٢)، الدر المصون (٥/ ٤٤ - ٤٥).
(٢) انظر: ابن جرير (١١/ ٥٤٣)، البحر المحيط (٤/ ١٨٢)، القرطبي (٧/ ٤٢ - ٤٣)، الأضواء (٢/ ٢٠٤).
(٣) انظر: البحر المحيط (٤/ ١٨٢)، الدر المصون (٥/ ٤٥).
ولذا ما حَرَّفَهُ اليهود بيَّن القرآنُ أنه محرَّف، وكان اليهود يختلفون في أشياء لا تعلم علماؤهم حقائقها من غوامض التوراة، فبيّنها لهم القرآن وأوضحها لهم، لهيمنته على الكتب قبله ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٧٦)﴾ [النمل: آية ٧٦] أي: ويوضحه لهم، ولمّا أنزل الله: ﴿فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ [النساء: آية ١٦٠] قال اليهود: ما حُرِّم علينا شيء بسبب ذنب، وإنما حُرِّم علينا ما كان محرَّمًا على أبينا إسرائيل من الأطعمة. وإسرائيل: هو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام. فلمَّا زعموا أن الله لم يحرم عليهم إلا ما كان محرَّماً من الطعام على إسرائيل كذّبهم القرآن، وألْقَمَهُم الحجر، فقال: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلاًّ لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُواْ بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (٩٣)﴾ [آل عمران: آية ٩٣] فلما قال لهم: ﴿قُلْ فَأْتُواْ بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ خافوا وخجلوا ولم يأتوا بها (١).
كذلك قصة اليهوديين الزانيين المشهورة (٢)، بأنه زنى يهوديان
| يَنْبَاعُ مِنْ ذِفْرَيْ غَضُوبٍ جَسْرَةٍ | زَيَّافَةٍ مِثْلَ الْفَنِيقِ الْمُكْدَمِ |
وقراءةُ الجمهورِ هي التي يجوزُ القراءةُ بها ﴿تَنْحِتُونَ الْجِبَالَ﴾ جمع جبلٍ. ﴿بُيُوتًا﴾ جمع بيتٍ. قرأه حفصٌ عن عاصمٍ، وورشٌ عن نافعٍ، وأبو عمرٍو: ﴿بُيُوتًا﴾ بضمِّ الباءِ على الأصلِ (١): جمعُ بيتٍ، والبيتُ هو ما يُسْكَنُ فيه، سُمِّيَ بيتًا لأَنَّ الساكنَ يبيتُ فيه.
﴿فَاذْكُرُوا آلاَءَ اللَّهِ﴾ أي: نِعَمَ اللَّهِ عليكم حيث جعلكم خلفاءَ في الأرضِ من بعدِ عادٍ ويسَّر لكم القصورَ في سهولِها، وَيَسَّرَ لكم نحتَ الجبالِ في نفسِ الجبالِ لِتَنَالُوا من بردِ السُّكْنَى زمنَ الحرِّ، ومن الاستدفاءِ زمنَ البردِ، وَكُلُّ هذا نعمُ اللَّهِ وآلاؤُه عليكم. وهذا معنَى قولِه: ﴿فَاذْكُرُوا آلاَءَ اللَّهِ﴾ أي: نِعَمَهُ التي أَنْعَمَهَا عليكم.
وكان بعضُ العلماءِ يقولُ (٢): هذه الآيةُ الكريمةُ تدلُّ على بناءِ القصورِ الشامخاتِ لأَنَّ اللهَ امْتَنَّ عليهم على لسانِ نَبِيِّهِمْ، بأنهم يتخذونَ القصورَ. وقد جاء عن النبيِّ ﷺ ما يدلُّ في ظواهرَ كثيرةٍ من الشرعِ أنه لا ينبغي للإنسانِ أن يتطاولَ في البنيانِ وَيَبْنِيَ فوقَ حاجتِه وَيُضَيِّعَ المالَ في ذلك، فينبغي للإنسانِ أن يبنيَ قدرَ حاجتِه وألا يضيعَ المالَ فيما يزيدُ على قدرِ حاجتِه من القصورِ الشامخةِ، ولاسيما إن كان ذلك على سبيلِ المباهاةِ والتفاخرِ فلا خيرَ
_________
(١) راجع ما تقدم قريبًا.
(٢) انظر: القرطبي (٧/ ٢٣٩).
أن يذل دين الكفر، ويقتل صناديده، ويعز دين الإسلام، ويعلي كلمته.
وقال بعض العلماء: كلماته التي يريد أن يحق بها حقه هي الكلمات التي وعد فيها بالنصر يوم بدر، والله (جل وعلا) وعد بالنصر يوم بدر في آيات من كتابه على ما قاله جماعة من المفسرين، منها في الدخان، ومنها في السجدة، ومنها في غير ذلك؛ لأن جماعة من أهل العلم قالوا: إن الله في سورة الدخان بشر بقصة بدر مع أن سورة الدخان مكية نازلة قبل الهجرة. قال غير واحد من كبار العلماء: قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى﴾ هو بطشه بنفير قريش يوم بدر على أيدي أصحاب النبي ﷺ والملائكة ﴿إِنَّا مُنتَقِمُونَ﴾ [الدخان: الآية ١٦] أي: من سادة الكفرة يوم بدر بما فعلنا بهم (١). وقالت هؤلاء الجماعة: هو العذاب الأدنى في السجدة في قوله: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنَ الْعَذَابِ الأَدْنَى﴾ [السجدة: الآية ٢١] قالوا: هو عذاب النفير يوم بدر كما سلط الله عليهم رسوله وأصحابه فقتلوا منهم وأسروا (٢).
وقال بعض العلماء هو: اللزام؛ لأنه عذاب دنيوي يلازمه عذاب الآخرة في كونه لزامًا (٣).
ولا شك أن سورة القمر من القرآن النازل في مكة قبل وقعة بدر، وعن عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) أنه ما كان يعلم شيئًا عن معنى قوله: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (٤٥)﴾ ويقول: من هذا الجمع
_________
(١) انظر: ابن كثير (٤/ ١٤٠).
(٢) المصدر السابق (٣/ ٤٦٢).
(٣) المصدر السابق (٣/ ٣٣٠).
يومَ الإثنينِ ويومَ الثلاثاءِ والأربعاءَ والخميسَ (١)، ثم سار يومَ الجمعةِ إلى المدينةِ. وهذا قولُ ابنِ إسحاقَ. وروى البخاريُّ عن طريقِ الزهريِّ ما يقتضي أنه مَكَثَ في بَنِي عمرِو بنِ عوفٍ بضعَ عشرةَ ليلةً (٢). فَلَمَّا خَرَجَ من بَنِي عمرِو بنِ عوفٍ ذاهبًا إلى المدينةِ، قال ابنُ إسحاقَ وغيرُه (٣): وَافَتْهُ الجمعةُ حذاءَ مسجدِ بَنِي سالمِ بنِ عوفٍ، المسجدِ الذي في الوادِي بَيْنَ قباء والمدينة، فَصَلَّى فيه الجمعةَ. قالوا: وهي أولُ جمعةٍ صَلاَّهَا بالمدينةِ، فجاءه عتبانُ بنُ مالكٍ (رضي الله عنه) وعباسُ بنُ عبادةَ بنِ نضلةَ في رجالٍ من بَنِي سالمِ بنِ عوفٍ، وقالوا: يا نَبِيَّ الله: أَقِمْ عندنا في العزةِ والعددِ والمنعةِ. فقال يعني ناقتَه: «خَلُّوا سَبِيلَهَا إِنَّهَا مَأْمُورَةٌ» فخرجت ذاهبةً إلى المدينةِ، فَلَمَّا وَازَى دُورَ بَنِي بياضةَ تَلَقَّاهُ زيادُ بنُ لبيدٍ وفروةُ بنُ عمرٍو في رجالٍ من بَنِي بياضةَ فقالوا: يا نَبِيَّ اللَّهِ هَلُمَّ إلينا في العدةِ والعددِ والمنعةِ. قال: «خَلُّوا سَبِيلَهَا إِنَّهَا مَأْمُورَةٌ» فلما مَرَّتْ
_________
(١) نقله ابن هشام ص٥٢٠.
(٢) تقدم تخريجه في الصفحة السابقة.
(٣) نقله ابن هشام ص٥٢٠.