العربُ للدفنِ إِضْلاَلاً، تقولُ: أَضَلُّوهُ إِذَا دَفَنُوهُ، ومنه قولُ الشاعرِ (١):
| وَآبَ مُضِلُّوهُ بِعَيْنٍ جَلِيَّةٍ | وَغُودِرَ بِالْجَوْلاَنِ حَزْمٌ وَنَائِلُ |
ثم بَيَّنَ أنه إِذَا جَمَعَهُمْ فُرَادَى يَجِدُونَهُ مَحْصِيًّا عليهم جميعَ أعمالِهم، كما قال بعدَه: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: آية ٤٩] فالناسُ يومَ القيامةِ يُحْشَرُ كُلُّ وَاحِدٍ منهم بمفردِه، لا مالَ معه، ولاَ خدمَ، ولاَ حشمَ، والدليلُ على أَنَّ (الفُرَادَى) وَاحِدُهُ فَرْدٌ أو فَرَدٌ: قولُه في سورةِ مريمَ: ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ [مريم: آية ٩٥]، دَلَّ ذلك على أنه وَاحِدُ قولِهِ هنا: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾، والعربُ تقولُ: تَرَكْتُ هذا وراءَ ظَهْرِي. يعني: خَلْفِي. أي: تَرَكْتُمْ ما خَوَّلْنَاكُمْ خَلْفَكُمْ، أي: وراءَ ظهورِكم حيث ارْتَحَلْتُمْ عنه في الدنيا، فَعَلَى الإنسانِ أن لا يتركَ - أَعْنِي خلفَ ظهرِه - ما خَوَّلَهُ اللَّهُ، وأن ما أعطاهُ اللَّهُ يقدمُه لآخِرَتِهِ بِصَرْفِهِ فِي وُجُوهِ
الخيرِ، والاستعانةِ بِهِ على ما يُرْضِي اللَّهَ جل وعلا.
_________
(١) السابق.
فلما كان مكتوباً في اللوح المحفوظ، وفي الصحف عند الملائكة، وبالصحف بأيدي المسلمين قيل له: (كتاب) وأصل الكتاب: (فِعَال) بمعنى (مفعول) وإتيان (الفِعَال) بمعنى (المفْعُول) مسموع في لغة العرب في كلمات غير كثيرة، ككتاب بمعنى مكتوب، ولباس بمعنى ملبوس، وإله بمعنى مَأْلُوه، أي: معبود، ونحو ذلك في أوزان غير كثيرة.
وأصل مادة الكتابة، مادة (الكاف، والتاء، والباء) (كتب) معناها في لغة العرب التي نزل بها القرآن: الضَّمّ والجمع، فكل شيء ضممت بعضه إلى بعض وجمعت بعضه إلى بعض فقد كَتَبْتَهُ، ومِنْ هنا قيل للخِيَاطة كتابة، وفي لُغَز الحريري (١):
| وَكَاتِبِينَ وَمَا خَطَّتْ أَنَامِلُهُمْ | حَرْفاً وَلَا قَرَؤُوا مَا خُطَّ في الْكُتُبِ |
| لَا تَأْمَنَنَّ فَزَارِيًّا خَلَوْتَ بِهِ | عَلَى قُلُوصِكَ وَاكْتُبْهَا بَأَسْيَارِ |
ومنه قيل للرقعة التي تكون في السقاء، وقيل لها: كُتْبَة، وقيل للسَّيُر الذي تُخاط به الرقعة أيضاً: (كُتْبة)؛ لأنَّه يضم الرقعة إلى
_________
(١) مضى عند تفسير الآية (٣٨) من هذه السورة.
(٢) السابق.
لا يَرْضَوْنَ أن يكونوا تَبَعًا، وأن يكونوا مرؤوسين غيرَ رؤساءَ، فيجادلوا لتبقَى لهم مكانتُهم ورئاستُهم؛ لأنهم إن أطاعوا الرسلَ كانوا تَبَعًا تحتَ أوامرِ الرسلِ لاَ رئاسةَ لهم ولا سيادةَ؛ ولذا في قصةِ هرقلَ الثابتةِ في الصحيحِ لَمَّا سألَ أبا سفيانَ السؤالاتِ المعروفةَ - المشهورةَ الثابتةَ في الصحيحِ - عن النبيِّ ﷺ مِنْ جُمْلَتِهَا أن قال له: أشرافُ الناسِ يتبعونَه أم ضعفاؤُهم؟ فقال أبو سفيانَ: بل ضعفاؤُهم، قال هرقلُ: أولئك أتباعُ الرسلِ (١). كما هو معروفٌ.
﴿قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾ أي: الرؤساءُ والقادةُ من قبيلةِ ثمودَ الذين تَكَبَّرُوا عن الإيمانِ وإجابةِ نَبِيِّ اللهِ صالحٍ ﴿لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ أي: للضعفاءِ المستضعفين. وقولُه: ﴿لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ﴾ بدلٌ مِنْ قولِه: ﴿لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ أي: المستضعفينَ، أعنِي خصوصَ المؤمنين من المستضعفين ﴿أَتَعْلَمُونَ﴾ أَتَتَيَقَّنُونَ وتجزمونَ بأن ﴿صَالِحًا مُّرْسَلٌ مِّن رَّبِّهِ﴾ وأنه غيرُ كاذبٍ على اللهِ؟ فأجابهم المستضعفونَ أحسنَ جوابٍ وأبلغَه، فلم يقولوا لهم: نَعَمْ نحنُ نجزمُ بأنه مُرْسَلٌ، ولكن جعلوا كونَه مُرْسَلاً أمرًا لا ينبغي أن يُشَكَّ فيه، ولا أن يكونَ النزاعُ ولا الخلافُ فيه، وقالوا: ﴿إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ إنا مؤمنونَ بالأمرِ الذي أُرْسِلَ به، الذي لا ينبغي أن يُشَكَّ ولا أن يُخْتَلَفَ في أنه حَقٌّ، ولهذه الحكمةِ عَدَلُوا عن أن يقولوا: نَعَمْ، فأجابهم الملأُ الكفارُ المتكبرونَ فقالوا: ﴿إِنَّا بِالَّذِيَ آمَنْتُمْ بِهِ﴾ من رسالةِ صالحٍ ﴿كَافِرُونَ﴾ جاحدونَ والعياذُ بالله، وهذا معنَى قولِه: ﴿إِنَّا بِالَّذِيَ آمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾.
_________
(١) مضى عند تفسير الآية (٩٣) من سورة الأنعام.
ويجمعونه على أباطيل على غير قياس، ومنه قوله (١):
| كانت مواعيدُ عرقوبٍ لها مَثَلاً | وما مَوَاعيدُهَا إلا الأَباطِيلُ |
قوله: ﴿وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾ [الأنفال: الآية ٨] يعني يفعل ذلك والحال لو كره المجرمون ذلك، والمجرمون (٢): جمع تصحيح للمجرم، والمجرم اسم فاعل الإجرام وهو مرتكب الجريمة، والجريمة: الذنب العظيم الذي يستحق صاحبه عليه النكال. وهذا معنى قوله: ﴿لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (٨)﴾ [الأنفال: الآية ٨].
قال الله تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُرْدِفِينَ (٩) وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلاَّ بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (١٠)﴾ [الأنفال: الآيتان ٩، ١٠].
﴿أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ [الأنفال: الآية ٩] قرأ هذا الحرف عامة القراء السبعة غير نافع وحده: ﴿مُرْدِفِينَ﴾ بكسر الدال، بصيغة اسم الفاعل. وقرأه نافع من السبعة وحده:
_________
(١) شرح قصيدة بانت سعاد للتبريزي ص١٧.
(٢) مضى عند تفسير الآية (٥٥) من سورة الأنعام.
كانت تُرْضِعُ وَلَدَهَا إذا جَامَعَهَا زوجُها وهي ترضعُ ولدَها أن ذلك يُضْعِفُ ولدَها ويضعفُ عظمَه وَيَضُرُّهُ، وكانوا إذا ضَرَبَ الرجلُ فَنَبَا سيفُه عن الضريبةِ قالوا: هذا من آثارِ الغيلةِ عليه، وُطِئَتْ أُمُّهُ وهو يرضعُها حتى كان شاعرُهم يقول (١):
| فَوَارِسُ لَمْ يُغَالُوا فِي رَضَاعٍ | فَتَنبُوا فِي أَكُفِّهِمُ السُّيُوفُ |
ومعنَى الآيةِ الكريمةِ: أن اللَّهَ (جل وعلا) يقولُ: إلا تَنْصُرُوا نَبِيَّ اللَّهِ وتتقاعسوا وتتباطؤوا عنه في غزوةِ تبوكَ فالله يَكْفِيهِ ولا يحتاجُ إليكم وقد نَصَرَهُ في مواضعَ أعسرَ وأشدَّ من هذا، فقد نَصَرَهُ اللَّهُ حين أَخْرَجَهُ الذين كفروا بما ذَكَرْنَا من تواطئِهم عليه وإلجائِهم إلى الخروجِ. كان بعضُ العلماءِ يقولُ (٣): يُؤْخَذُ من هذه الآيةِ من سورةِ براءة بعضُ الأحكامِ الفقهيةِ، وأن الإنسانَ إذا أَكْرَهَ إنسانًا على الاعتداءِ، كَأَنْ أكرهَه على أن يقتلَ أو يتلفَ مالاً، أن المكرِه (بكسرِ الراءِ) أعنِي باسمِ الفاعلِ، يلزمُه غُرْمُ ذلك والقصاصُ فيه، لأَنَّ [الله] (٤) نَسَبَ الإخراجَ إليهم؛ لأنهم أَلْجَؤُوا النبيَّ ﷺ إليه. فَسَمَّى
_________
(١) السابق.
(٢) تقدم تخريجه عند تفسير الآية (١١٥) من سورة الأنعام.
(٣) انظر: القرطبي (٨/ ١٤٣).
(٤) في الأصل: «النبي». وهو سبق لسان.