ذلك الميتِ اليابسِ الذي لاَ يَنْمُو، وهو الْحَبُّ اليابسُ، أو النَّوَى اليابسُ، وكذلك يُخْرِجُ اللَّهُ النطفةَ - وهي ميتةٌ - يُخْرِجُهَا من الْحَيِّ الذي هو الإنسانُ، والبيضةَ من الدجاجةِ. فقولُه: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾ أي يُخْرِجُ الناميَ من النباتِ والحيواناتِ من الميتِ وهو بِذْرُ النباتِ اليابسِ الذي لاَ يَنْمُو بِذَاتِهِ، وكذلك ما يَخْرُجُ من الإنسانِ، كالنطفةِ فإنها لا تَنْمُو بنفسِها إلا أن اللَّهَ (جل وعلا) يُخْرِجُ منها الْحَيَّ، كما قال: ﴿وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ﴾ المعنَى: أن اللَّهَ (جل وعلا) يُخْرِجُ الْحَيَّ الناميَ كالنخلةِ، والسنبلةَ من الحبةِ، والنَّوَى، ويخرجُ الإنسانَ من النطفةِ، والدجاجةَ من البيضةِ مثلاً، كما أنه يُخْرِجُ الميتَ من الحيِّ، يُخْرِجُ أيضًا ذلك الزرعَ الميتَ من الحيِّ الذي هو النباتُ، ويخرجُ الثمرَ من الشجرِ الذي هو النَّامِي، كما يُخْرِجُ أيضًا النطفةَ والبيضةَ من الحيِّ الذي هو الإنسانُ والدجاجةُ.
هذا معنَى قولِه: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ﴾ وهذا هو الذي عليه جمهورُ المفسرين، خِلاَفًا لِمَنْ قال: إنه يُخْرِجُ الكافرَ من المؤمنِ، والمؤمنَ مِنَ الكافرِ، وما جَرَى مَجْرَى ذلك (١). القولُ الأولُ هو المشهورُ.
وفي هذه الآيةِ الكريمةِ سؤالٌ عَرَبِيٌّ: وهو أن يقولَ طالبُ العلمِ: قال: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾ بصيغةِ المضارعِ، وَعَطَفَ عليه قولَه: ﴿وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ﴾ بصيغةِ اسمِ الفاعلِ، فما النكتةُ العربيةُ في عطفِ اسمِ الفاعلِ هنا على المضارعِ؟ وَلِمَ لاَ يُعطف عليه مضارعا آخر؟ كما فَعَلَ في سورةِ آلِ عمرانَ حيث قال: {تُولِجُ اللَّيْلَ فِي الْنَّهَارِ
_________
(١) انظر: ابن جرير (١١/ ٥٥٣)، القرطبي (٤/ ٥٦)، (٧/ ٤٤).
الأكبر للضعف، وهو السبب الذي يدخل منه العدو فيضرب بعضهم ببعض، ويبقون -مثلًا- لأن المختلفين لا ينجحون؛ ولهذا يقول الله في محكم كتابه: ﴿وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: آية ٤٦] ويقول (جل وعلا): ﴿وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: آية ١٠٣] ويحض على الاجتماع النبيُّ - ﷺ - في أحاديث كثيرة، وقد بيّنَ القرآن في سورة الحشر أن اختلاف
القلوب ومعاداة البعض للبعض منشؤه إنما يكون من ضعف العقول، كما قال في قوم: ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى﴾ [الحشر: آية ١٤] ثم كأن قائلاً قال: ما الموجب الذي صيّر قلوبهم شتى وهم أمة واحدة متفقة في الأهداف والأغراض، ما الموجب الذي صيّر قلوبهم شتى؛ أي: مختلفة متنافرة؟! فبيّن العِلة فقال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْقِلُونَ﴾ وليس المراد هنا نفي العقل من أصله، والمعنى: (أنهم لا يعقلون) نفي كمال العقل، يعني: أن عقولهم ليست ناضجة كما ينبغي، أمّا هم في الحقيقة فمن جملة العقلاء، وهذا يدل على أن هذه الفِرَق -التي تدّعي الإسلام- المختلفة، التي يبغض بعضها بعضاً، وإن تجاملت في ظاهر الأمر، أن سبب ذلك إنما هو ضعف العقول في بعضها، وقد يكون المختلفان أحدهما عنده عقل كامل، يدعو إلى الطريق المستقيم بعقله المستقيم، والآخر ضعيف العقل، يَفِرّ من تلك الطريق ويخالف، فهذا من ضعف العقل، وقد بيّنَّا في هذه السورة الكريمة أن ضعفَ العقول وموتها علاجه القرآن؛ لأنه يصير به الميت حيّاً، ويصير به الذي كان في الظلام في النور ﴿أَوَمَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ﴾ [الأنعام: آية ١٢٢] فبيّن أن اتباع القرآن حياة بعد الموت، ونور بعد الظلام؛ لأن تشريع خالق
ومضادةِ ما جاؤوا به لئلا يُهْلِكَهُمُ اللهُ وينزلَ بهم ما أنزلَ بغيرهم، وهذا معنَى قوله: ﴿فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ [الأعراف: آية ٧٨].
﴿فَتَوَلَّى عَنْهُمْ﴾ [الأعراف: آية ٧٩] فَتَوَلَّى نَبِيُّ اللهِ صالحٌ عنهم، وهذا التولِّي للعلماءِ فيه وَجْهَانِ (١):
[١٢/ب] / أحدُهما: أنه تَوَلَّى عنهم لَمَّا تَحَقَّقَ الهلاكَ، وأنه نازلٌ بهم تَوَلَّى راجعًا عنهم وقال لهم: ﴿يَا قَوْمِ﴾ وَاللَّهِ ﴿لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ﴾ غايةَ النصحِ ﴿لاَّ تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ﴾ فكرهتُم نصيحتِي ورددتموها وستجدونَ غِبَّ ذلك.
وبعضُ العلماءَ يقولونَ: إن نَبِيَّ اللهِ صالحًا لم يقل لهم هذا إلا بعدَ أن نزلَ بهم عذابُ اللهِ وصاروا مَوْتَى، وَفَارَقَتْ أرواحُهم أجسادَهم، جاء إلى جثثِهم وَوَبَّخَهُمْ هذا التوبيخَ بعدَ أن ماتوا. وهذا الأخيرُ هو ظاهرُ القرآنِ؛ لأَنَّ قوله: ﴿فَتَوَلَّى عَنْهُمْ﴾ مُرَتَّبٌ بالفاءِ على قولِه: ﴿فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ والفاءُ تَقْتَضِي التعقيبَ، فكونُه قال لهم هذا بعدَ أن ماتوا وَأَصْبَحُوا في دارِهم جاثمينَ هو ظاهرُ القرآنِ، وظاهرُ القرآنِ لا يجوزُ العدولُ عنه إلا لأمرٍ يجبُ الرجوعُ إليه (٢). وقد وَقَعَ مثلُ هذا من نَبِيِّنَا ﷺ فقد ثَبَتَ في الصحيحِ أن كفارَ قريشٍ لَمَّا ماتوا يومَ بدرٍ وَجُعِلُوا في القليبِ - قَبَّحَهُمُ اللَّهُ - موتَى كُفَّارًا وَقَفَ عليهم النبيُّ ﷺ وَهُمْ أمواتٌ بعدَ ثلاثٍ وقال: - نَادَاهُمْ بأسمائهم - يا أَبَا جهل بن هشامٍ، يا عتبة بن ربيعةَ، يا شيبةُ بنَ ربيعةَ،
_________
(١) انظر: القرطبي (٧/ ٢٤٢).
(٢) مضى عند تفسير الآية (٥٦) من سورة البقرة.
من في السفينة يتناذرون ويقول بعضهم لبعض: لا تدعوا في هذا الوقت غير الله؛ لئلا تغرقونا؛ لأن هذه الكروب لا ينجي منها إلا الله (جل وعلا) وحده.
ففهمها عكرمة وقال: والله إن كان لا ينجي في ظلمات البحر إلا هو فلا ينجي من كربات البر إلا هو. ثم قال: اللهم لك علي عهد إن أنْجَيْتَنِي من هذه لأضعن يدي في يد محمد ﷺ فلأجدنه رؤوفًا رحيمًا (١). وأمثال هذا في القرآن لا تحصى، فعلينا معاشر المسلمين أن نضع كل شيء في موضعه، ونمشي في نور القرآن العظيم، ونعلم أن الواحد منا إذا نزلت به البلايا ودهمته الكروب أن الالتجاء في ذلك الوقت من خصائص خالقه (جل وعلا)، فخصوص ذلك لخالقه (جل وعلا) مما يرضي الله، ويرضي رسوله، ويكفل له النجاح. وهذا سيد الخلق (صلوات الله وسلامه عليه) صرحت هذه الآية من سورة الأنفال أنه لما دهمه هذا الكرب العظيم صدق في ذلك الالتجاء، وصرفه إلى من له الحق في ذلك، وهو خالقه (جل وعلا). ومن حِكَم ذلك أن يعلم أمته الاقتداء به في ذلك، فعلينا معاشر المسلمين محبة لنبينا وتعظيمًا له ورغبة في اتباع ديننا أن نفعل كما كان يفعل نبيّنا ﷺ ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ الله فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: الآية ٣١] ﴿مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: الآية ٨٠] ونصرف الحقوق لمستحقها، ولا نصرف حق خالقنا إلى بشر، ولا إلى ملك مقرب، ولا إِلى مخلوق كائنًا من كان؛ لأن إعطاء حقوق الله لله مما يرضي الله ويرضي رسول الله، وهو الذي يتَّبع صاحبه المرسلين (صلوات الله وسلامه عليهم). وهذا معنى قوله: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾ الفاء سببية والإجابة
_________
(١) مضى عند تفسير الآية (٤٠) من سورة الأنعام.
لأمرِه ونهيِه. وهذا معنَى قولِه: ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: آية ٤٠].
قال تعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالاً وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤١) لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لاَّتَّبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (٤٢) عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ (٤٣)﴾ [التوبة: الآيات ٤١ - ٤٣].
يقول اللَّهُ (جلَّ وعلا): ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالاً وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤١)﴾.
قال جماعةٌ من العلماءِ: هذه الآيةُ الكريمةُ هي أولُ آيةٍ نَزَلَتْ من سورة براءة. قالوا: أولُ ما نَزَلَ منها:
| ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالاً﴾ الآية | ثم بعدَ ذلك نَزَلَ أولُها وآخِرُها (١). |
| لاَ نَلْتَقِي إِلاَّ ثَلاَثَ مِنًى | حَتَّى يُفَرِّقَ بَيْنَنَا النَّفْرُ |
(١) ذكره ابن جرير بسنده عن أبي الضحى (١٤/ ٢٦٩، ٢٧٠) وعزاه القرطبي (٨/ ١٤٩) لأبي مالك الغفاري.
(٢) البيت في ديوانه ص١٩٠.