فالمثيرات. وكذلك عَكْسُهُ، وهو: عطفُ الاسمِ على الفعلِ - اسمُ الفاعلِ على الفعلِ - أَمْرٌ معروفٌ موجودٌ في كلامِ العربِ، ومنه قولُ الراجزِ (١):
بَاتَ يُغَشِّيهَا بِعَضْبٍ بَاتِرٍ يَقْصِدُ فِي أَسْوُقِهَا وَجَائِرُ
فقوله: «جائر» معطوف على «يقصد» بمعنَى: قاصدٍ وجائرٍ. وهذا أسلوبٌ معروفٌ في كلامِ العربِ.
﴿وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ﴾ ثم إِنَّ اللَّهَ لَمَّا نَبَّهَنَا على عظمتِه وكمالِ قدرتِه، وأنكَ أيها الإنسانُ [تشاهدُ أَنَّكَ] (٢) تبذرُ حبةً في الأرضِ، فيُخرجها لكَ سنبلةً خضراءَ فيها مئاتُ الْحَبِّ، وتبذرُ نواةً في الأرض فيُخرج لكَ منها نخلةً ذاتَ أغصانٍ، وذاتَ خُوصٍ وَجَرِيدٍ، وذاتَ ثَمَرٍ، وهذا من أبدعِ صُنْعِهِ (جل وعلا)، دَالٌّ على أنه الربُّ وحدَه. قال بعدَ هذه الآياتِ: ﴿فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ أَيْنَ تُصْرَفُونَ عن النظرِ في هذا؟ كيف تُشَاهِدُونَ غرائبَ صُنْعِهِ وعجائبِها الدالةِ على كمالِ قدرتِه، وَتُسَوُّونَ به غيرَه، وتعبدونَ معه ما لاَ ينفعُ ولا يَضُرُّ؟ أين تصرفون؟ وأين تذهبُ عقولُكم عن أفعالِ رَبِّكُمُ العظيمةِ الدالةِ على أنه المعبودُ وحدَه؟
و ﴿تُؤْفَكُونَ﴾ مضارعٌ مبنيٌّ للمفعولِ، من (أَفَكَه يَأْفِكُهُ) إذا قَلَبَهُ، العربُ تقولُ: «أَفَكَ الأَمْرُ يَأْفِكُه» إذا قَلَبَهُ، ومنه قِيلَ لِقُرَى قومِ لوطٍ: (المؤتفكات) لأَنَّ جبريلَ أَفَكَهَا، أي: قَلَبَهَا فجعلَ عاليَها سافلَها، ومن هنا قيل للكذبِ: إِفْكٌ؛ لأَنَّ الإفكَ أسوأُ الكذبِ، لأَنَّهُ صَرْفٌ للكلامِ عن وَجْهِهِ الحقيقيِّ إلى وَجْهِهِ الباطلِ. فمعنَى:
_________
(١) البيت في البحر المحيط (٤/ ١٨٥)، الدر المصون (٣/ ١٧٨).
(٢) في الأصل: "تشاهدك".
| خَفَافيشُ أَعْمَاهَا النَّهَارُ بِضَوْئِهِ | وَوَافَقَهَا قِطْعٌ مِنْ اللَّيْلِ مُظْلِمُ (١) |
| مِثْلُ النَّهَارِ يَزِيدُ أَبْصَارَ الْوَرَى | نُوراً وَيُعْمِي أَعْيُنَ الخُفَّاشِ (٢) |
| إِذَا لَمْ يَكُنْ لِلْمَرْءِ عَيْنٌ صَحِيحَةٌ | فَلَا غَرْوَ أَنْ يَرْتَابَ وَالصُّبْحُ مُسْفِرُ |
ومعنى ﴿فَاتَّبِعُوهُ﴾: أحِلوا حلاله، وحرموا حرامه، واعتقدوا عقائده، واعتبروا بأمثاله، وعاملوا أعداءكم بما فيه من الحِكَم؛ لأن القرآن يوضح جميع المرافق الحيوية من جميع مرافقها، وقد بيّناه مراراً، وسنضرب لذلك مثلاً بسيطاً؛ لأنه معروف أن جميع المصالح في الكتب السماوية، أنها تدور حول ثلاث، هي: دفع الضرر،
_________
(١) مضى عند تفسير الآية (١٢٨) من هذه السورة.
(٢) السابق.
(٣) السابق.
هذه هي القصةُ الرابعةُ من قِصَصِ الأنبياءِ الذين قَصَّ اللهُ علينا أخبارَهم مع أُمَمِهِمْ في هذه السورةِ الكريمةِ - سورةِ الأعرافِ - لِنَعْتَبِرَ بما فيها ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الأَلْبَابِ... ﴾ [يوسف: آية ١١١] فَبَيَّنَ لنا أن قومَ نوحٍ كَذَّبُوهُ، وأنه أهلكهم بطوفانٍ أَغْرَقَهُمْ فَبَادُوا عن آخِرِهِمْ، وأن قومَ هودٍ كَذَّبُوهُ فأرسلَ عليهم الريحَ العقيمَ فَدَمَّرَتْهُمْ عن آخِرِهِمْ، وأن قومَ صالحٍ كذبوه فأخذتهم الصيحةُ فأصبحوا في دارهم جاثمين، ليس فيهم دَاعٍ ولا مُجِيبٌ، كأن اللَّهَ يقولُ: اعْلَمُوا مُعَامَلَتِي لِمَنْ عَصَانِي وَطَغَى وتكبر وعادَى رُسُلِي فإني سأهلُكه الإهلاكَ المستأصلَ، وأجعلُ مصيرَه إلى النارِ. وهم - والعياذُ بالله - مغضوبٌ عليهم في الدنيا، مغضوبٌ عليهم في الآخرةِ، ولأَجْلِ ذلك ثَبَتَ في الصحيحين من غيرِ وَجْهٍ (١) أن النبيَّ ﷺ في سفرِه في غزوةِ تبوكَ مَرَّ بأرضِ الحِجْرِ - وهي ديارُ ثمودَ - فَلَمَّا مَرَّ بها ﷺ تَلَثَّمَ وَأَسْرَعَ السيرَ جِدًّا ليجاوزَ أرضَ الغضبِ بسرعةٍ، ونهى أصحابَه أن يشربوا من مياهها، وكان قومٌ منهم قد عَجَنُوا بمائها عجينًا، وقومٌ قد حَاسُوا منه حَيْسًا، فنهاهم أن يأكلوا العجينَ الذي عُجِنَ بماءِ تلك الأرضِ، وَنَهَاهُمْ عن أن يأكلوا الحيسَ الذي بُلَّ بماءِ تلك الأرضِ. وفي بعضِ رواياتِ
_________
(١) البخاري في المغازي، باب نزول النبي ﷺ الحجرَ، حديث رقم (٤٤١٩، ٤٤٢٠)، (٨/ ١٢٥)، وفي أحاديث الأنبياء، باب قوله تعالى: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا﴾ وقوله: ﴿كَذَّبَ أَصْحَابُ الحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ﴾ الأحاديث رقم (٣٣٧٨ - ٣٣٨١)، وفي التفسير، باب: «ولقد كذب أصحاب الحجر المرسلين» حديث رقم (٤٧٠٢).
ومسلم في الزهد والرقائق، باب: لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم إلا أن تكونوا باكين. حديث رقم (٢٩٨٠، ٢٩٨١)، (٤/ ٢٢٨٥، ٢٢٨٦).
النقع (١)، والنقع: الغبار الذي يكون على الثَّنِيَّتَيْن من أسنان الرجل فيكون عليها.
قال بعض العلماء: نزل جبريل في خمسمائة من الملائكة على الميمنة وفيهم أبو بكر، ونزل ميكائيل في خمسمائة من الملائكة على الميسرة وفيهم علي (٢). والأظهر أن المدد يوم بدر كان أكثر من ألف كما قدمناه في سورة آل عمران؛ لأن أصح القولين أن المدد من الملائكة المذكور إلى خمسة في آل عمران أنه في بدر، وأن قول من قال: إنه وُعد به في أُحد والصحابة لم يفوا بالشرط.
أن ذلك خلاف الظاهر وخلاف التحقيق؛ لأن الله قال في سورة آل عمران مشيرًا إلى وقعة بدر هذه التي بَسَطَهَا وشرحها في الأنفال مشيرًا إلى النصر بالملائكة والإمداد بهم: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢٣) إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: الآيتان ١٢٣، ١٢٤] والتحقيق: إذ تقول لهم يوم بدر لما أمدكم الله بالملائكة: ﴿أَلَن يَكْفِيَكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُم بِثَلاَثَةِ آلاَفٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُنزَلِينَ (١٢٤) بَلَى إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ آلاَفٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُسَوِّمِينَ (١٢٥)﴾ [آل عمران: الآيتان ١٢٤، ١٢٥] والقصة هذه المذكورة في آل عمران هي قصة بدر هذه المذكورة في الأنفال والسياق واحد كما ترى؛ لأنه قال في الأنفال: {وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلاَّ
_________
(١) هذا الحديث أورده ابن هشام في السيرة ص٦٦٦، وابن كثير في البداية والنهاية (٣/ ٢٧٦)، وقد أورده السيوطي في الدر (٣/ ١٨٨) وعزاه لابن إسحاق وابن المنذر.
(٢) أورد ابن كثير في تفسيره (٢/ ٢٩٠) والبداية والنهاية (٣/ ٢٧٥) في هذا المعنى أثرًا عن ابن عباس (رضي الله عنهما) من طريق علي بن أبي طلحة.
الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ (٤٥)} [التوبة: الآيتان ٤٤، ٤٥].
لَمَّا دَعَا النبيُّ ﷺ المسلمينَ إلى النفرِ في غزوةِ تبوكَ جاءَ رؤساءُ المنافقينَ كعبدِ اللَّهِ بنِ أُبَيِّ بنِ سَلُولَ، والجدُّ بنُ قيسٍ، وهؤلاء أعظمُ المنافقينَ، وَمَنْ سَارَ في ركابِهم، جاؤوا إلى النبيِّ ﷺ يستأذنونَه في الجلوسِ والتخلفِ عن غزوةِ تبوكَ؛ لأنهم أعداءُ للإسلامِ في باطنِ أمرِهم، فَبَيَّنَ اللَّهُ أن ذلك الاستئذانَ رغبةٌ في التخلفِ ليس من فِعَالِ المسلمينَ، وأنه من فِعَالِ الذين لاَ يؤمنونَ بِاللَّهِ ولاَ باليومِ الآخِرِ. قال: ﴿لاَ يَسْتَئذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ.. ﴾. الجمهورُ يقرؤون: ﴿يَسْتَئذِنُكَ﴾ والسوسيُّ: ﴿يستاذنك﴾ بإبدال الهمزةِ (١).
﴿لاَ يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ يصدقون بالله (جلَّ وعلا)، وإيمانُهم بالله، الإيمانُ بالله إذا أُطْلِقَ شملَ الإيمانَ من الجهاتِ الثلاثِ، وهو تصديقُ القلبِ بالاعتقادِ، واللسانِ بالإقرارِ، والجوارحِ بالعملِ. فالمؤمنُ بمعنَى الإيمانِ الصحيحِ هو مَنْ آمَنَ قلبُه ولسانُه وجوارحُه. وهذا الاستئذانُ ليس من أفعالِ المسلمينَ ﴿لاَ يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ الإيمانُ باليومِ الآخِرِ كثيرًا ما يجعلُه اللَّهُ مذكورًا مع الإيمانِ به؛ لأَنَّ مَنْ لَمْ يؤمن باليومِ الآخِرِ لاَ يخافُ بَأْسًا يومَ القيامةِ ولا يطمعُ في خيرٍ، فهو يفعلُ ما يشاءُ، فالكفرُ باليومِ الآخِرِ رأسُ كُلِّ شَرٍّ، والإيمانُ به رأسُ كُلِّ خَيْرٍ.
_________
(١) انظر: الإقناع لابن الباذش (١/ ٤١٢)، النشر لابن الجزري (١/ ٣٩٠).