فعلى هذا القولِ: أن الإصباحَ يَبْدُو أَوَّلاً وهو مختلطٌ بِغَلَسِ الظَّلاَمِ، ثم إن اللَّهَ يشقُّ ذلك الإصباحَ الذي بَدَأَتْ أوائلُه مختلطةً بالظلامِ شَقًّا واضحًا عَنْ وَضَحِ النهارِ، وهذا هو المعروفُ، أن الظلامَ سواء كان ظلامًا دَامِسًا، أو ظَلاَمًا مختلطًا ببعضِ ضوءِ الصبحِ، هو الذي يُشقُّ عن الصباحِ كما هو معروفٌ، ومنه قولُ أَبِي نواس (١):
تَرَدَّتْ بِهِ ثُمَّ انْفَرَى عَنْ أَدِيمِهَا تَفرِّيَ لَيْلٍ عَنْ ضِيَاءِ نَهَارِ
هذا هو المعروفُ، وهم إما يُقَدِّرونَ مضافًا فيقولونَ: فَالِقُ ظلمةِ الإصباحِ. أي: شَاقُّهَا بضوءِ الصبحِ، أو ﴿فَالِقُ الإِصْبَاحِ﴾. أي: أوائلُ الإصباحِ المختلطةِ بغَلَسِ الظلامِ، فَالِقُهَا وَشَاقُّهَا عن النورِ، نورِ النهارِ الحقيقيِّ.
وقولُه: ﴿وجاعِلُ الليلِ سكنًا﴾ على قراءةِ: ﴿وجَاعِلُ الليلِ سكنًا﴾ فلاَ إشكالَ، اسمُ فاعلٍ معطوفٌ على اسمِ فاعلٍ. وعلى قراءةِ: ﴿وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا﴾ (٢) هو مِمَّا كُنَّا نقولُ: إن الاسمَ إذا كان مُشْتَقًّا - كاسمِ الفاعلِ هنا - يُعْطَفُ عليه الفعلُ، وَيُعْطَفُ هو على الفعلِ، كما قال في الخلاصةِ (٣):

وِاعْطِفْ عَلَى اسْمٍ شِبْهِ فِعْلٍ فِعْلاَ وَعَكْسًا اسْتَعْمِلْ تَجِدْهُ سَهْلاَ
_________
(١) البيت في مشاهد الإنصاف (ملحق بالكشاف ٤/ ٤٥)، البحر المحيط (٤/ ١٨٥)، الدر المصون (٥/ ٦٠) وفي هذه المصادر: «عن بياض.... » إلخ.
(٢) انظر: المبسوط لابن مهران ١٩٩، حجة القراءات ٢٦٢، ابن جرير (١١/ ٥٥٦)، القرطبي (٧/ ٤٥)، البحر المحيط (٤/ ١٨٦)، الدر المصون (٥/ ٦٠).
(٣) الخلاصة ص ٤٨، وانظر: شرحه في التوضيح والتكميل (٢/ ١٨٩).
أنساب المجتمع غاية المحافظة؛ ولذا حرم الزنا خَوْفَ أن يختلط ماء رجل بماء امرأة، وخَوفَ أن تحمل النساء من رجال غير معروفين، فتبقى الأولاد لا آباء لهم، فتضيع أنسابهم؛ ولأجل محافظته على الأنساب أوجب العدة، عندما يحصل فراق بموت أو طلاق يجب على المرأة العِدة، بأن تمكث عدة معينة ﴿وَالمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ﴾ [البقرة: آية ٢٢٨] وقوله: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ المَحِيضِ مِن نِّسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق: آية ٤] بالغ في الصيانة حتى ألزم العدة للتي لا تحيض؛ مبالغةً في الصيانة جدّاً، حتى إنه من شدة محافظته على [الأنساب] (١) منع سقي الزرع بماء غيره؛ ولذا منع تزويج المرأة الحامل؛ لأن الرجل إذا تزوج امرأةً حاملاً كان يسقي بوطئه لها -كان ماؤه يسقي- ذلك الزرع الذي كان في بطنها قبله، فسقي الزرع بماء الغير كأن الولد يكون فيه حظ لهذا وحظ لهذا، فمنع سقي الزرع بماء الغير؛ حياطةً للأنساب، كما قال: ﴿وَأُوْلَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: آية ٤].
وإذا نظرنا العقول فلا نجد نظامًا يحافظ على العقل مثل نظام القرآن العظيم؛ ولذا حرّم شرب كل مُسكِر، كل شيء يضيع العقل حرَّم تعاطيه ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالمَيْسِرُ﴾ إلى قوله: ﴿فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ﴾ [المائدة: آية ٩٠] وأوجب الحد في شرب الخمر محافظةً على عقول المجتمع.
وكذلك الأعراض، منع القرآن وقوع المسلم في عرض أخيه،
_________
(١) في الأصل: «العقول» وهذا سبق لسان.
رَبِّي} [العنكبوت: آية ٢٦] فَنَزَلَ إبراهيمُ فلسطينَ، وكانت محلَّ مهاجره، ونزلَ لوطٌ بالأردنِّ - والأُرْدُنُّ بضمِّ الهمزةِ والدالِ وتشديدِ النونِ - يقولونَ: إنه نهرٌ وَكُورَةٌ (١) في أعالِي الشامِ، فأرسلَ اللهُ نبيَّ اللهِ لوطًا إلى قومِ لوطٍ، وهم قُرًى، يزعمُ بعضُ المفسرين أنها أربعةٌ، وبعضُهم يقولُ: هي خمسةٌ وعاصمتُها - البلدُ الكبيرُ - تُسَمَّى: (سدومَ) وبعضُ علماءِ العربيةِ يقولونَ: (سذوم) بذال المعجمةِ، وهو قولُ الجوهريِّ (٢)، وَنَصَرَهُ القاموسُ. وبعضُهم يقولُ: هي (سدوم) بالدالِ المهملةِ (٣)، وهي أكبرُ قُرَاهُمْ، فأرسلَ اللهُ فيهم نبيَّه لوطًا (عليه وعلى نبينا الصلاةُ والسلامُ)، وجرى لهم معه ما قَصَّهُ اللهُ علينا في آياتٍ متعددةٍ، منها آيةُ الأعرافِ هذه.
﴿وَلُوطًا﴾ أي: وَأَرْسَلْنَا لوطًا، أي: وَاذْكُرْ نَبِيَّ اللهِ لوطَ بنَ هارانَ إِذْ قال لقومِه الذين أُرْسِلَ إليهم وهم بلدُ سدوم والقرى التي حَوْلَهَا، وهي المعروفةُ بالمؤتفكاتِ؛ لأن المؤتفكاتِ قُرَى قومِ لوطٍ، والمؤتفكةُ بالإفرادِ يمكنُ أن يكونَ المرادُ بها جميعُ القُرَى؛ لأن مثلَ ذلك يُطْلَقُ عليه ما يُطْلَقُ على المؤنثةِ المفردةِ المجازيةِ التأنيثِ.
وقيل لقرى قومِه: (المؤتفكات) لأن جبريلَ عليه السلام أَفَكَهَا أي: قَلَبَهَا بهم فَاقْتَلَعَهَا من الأرضِ وَرَفَعَهَا إلى السماءِ جَعَلَ عَالِيَهَا سَافِلَهَا، كما قال
_________
(١) أي: مدينة أو صقع؛ لأنه يدور على ما فيه من قرى.
(٢) المثبت في الصحاح: (سدوم) بالدال. (٥/ ١٩٤٩) قال في القاموس: «وسدوم: لقرية قوم لوط، غلط فيه الجوهري، والصواب: (سذوم) بالذال المعجمة» ا. هـ (مادة: سدم) ص١٤٤٧. وللتوسع انظر اللسان (مادة: سدم) و (مادة: سذم).
(٣) انظر: معجم البلدان (٣/ ٢٠٠)، معجم ما استعجم (٣/ ٧٢٩).
معكم، كانت البشرى أعظم؛ لأنهم يعاونونهم في قتل عدوهم، وهذا معنى قوله: ﴿إِلاَّ بُشْرَى﴾ فالبشرى (فُعْلى) مؤنث بِأَلِف التأنيث اللفظية. والبشرى: هي الإخبار بما يسر، وقد قَدَّمْنَا مرارًا أن العرب تسمِّي الإخْبَار بما يسر (بشرى) و (بشارة)، وتقول: «بَشَّرَه وبَشَرَه». إذا أخبره بما يسره، كما هو معروف. وقد قدمنا: أن من أساليب اللغة العربية التي نزل بها القرآن: إطلاق البشرى أيضًا على الإخبار بما يسوء، كأن تقول له: بشِّره بما يسوءُه، بشره بويل وعذاب.
كما قال تعالى: ﴿وَيْلٌ لِّكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (٧) يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٨)﴾ [الجاثية: الآيتان ٧، ٨] ومعلوم أَنَّ العرب تطلق البشارة في لغتها على الإخبار بما يَسُرُّ أكْثَر، وربما أطلقتها على الإخبار بما يَسُوءُ. ومن إطلاق البشارة على الإخبار بما يسوء قول الشاعر (١):
وَبَشَّرْتَنِي يَا سَعْدُ أَنَّ أَحِبَّتي... جَفَونِي وقَالُوا: الودُّ مَوْعِدُهُ الحشْرُ
وقول الآخر (٢):
يُبشرنُي الغرابُ ببينِ أَهْلي فقلتُ لهُ ثَكِلْتُكَ مِنْ بَشِيرِ
وعلماء البلاغة يقولون: إن البشارة بما يسوء من نوع ما يسمونه (الاستعارة العنادية) ويقسمون الاستعارة العنادية إلى (تهكُّمِيَّة، وتلميحية) كما هو معروف في فن البيان عندهم (٣).
ونحن نقول: إن الذي يظهر أن هذه أساليب عربية، نطقت بها
_________
(١) مضى عند تفسير الآية (٤٨) من سورة الأنعام.
(٢) السابق.
(٣) السابق.
(القصرِ) (١) فـ (إنما) أداةُ حَصْرٍ. يعنِي: لاَ يستئذنك هذا الاستئذانَ الذي يُرَادُ به التخلف عن الجهادِ والقعودِ لأعذارٍ كاذبةٍ.
﴿إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ الذين لاَ يُصَدِّقُونَ بالله ولا يؤمنون باليومِ الآخِرِ فلا يرغبون فيما عِنْدَ اللَّهِ، ولا يخافون عذابَ اللَّهِ.
وقولُه: ﴿وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ شَكَّتْ قلوبُهم. فـ ﴿وَارْتَابَتْ﴾ معناه: شَكَّتْ. والتاءُ فيه تاءُ الافتعالِ. وأصلُ حروفِه الأصليةِ: الراءُ في محلِّ الفاءِ، والياءُ في مَحَلِّ العينِ، والباءُ في محلِّ اللامِ، أصلُ المادةِ (رَيَبَ) بـ (راءٍ) فـ (ياء) فـ (باء) والتاءُ تاءُ الافتعالِ، وأصلُها (وَارْتِيبَتْ قلوبُهم) (٢)
أي: دَاخَلَهَا الرَّيْبُ. أصلُ الريبِ في لغةِ العربِ معناه الإزعاجُ والإقلاقُ. هذا أصلُ معناه الأصليِّ، تقولُ العربُ: رَابَهُ الأمرُ. إذا أَزْعَجَهُ وَأَقْلَقَهُ. وهذا هو معناه الحقيقيُّ، ومنه قولُ توبةَ بنِ الْحُمَيِّرِ الخفاجيِّ (٣):
وَكُنْتُ إِذَا مَا زُرْتُ لَيْلَى تَبَرْقَعَتْ وَقَدْ رَابَنِي مِنْهَا الْغَدَاةَ سُفُورُهَا
أي: أَزْعَجَنِي وَأَقْلَقَنِي، وكلما جاء الريبُ في القرآنِ والارتيابِ فمعناه الشكُّ على كُلِّ حالٍ. وإنما سُمِّيَ الشاكُّ مُرْتَابًا وَأُطْلِقَ اسمُ الريبِ على الشكِّ لأَنَّ الشاكَّ لاَ تطمئنُّ نفسُه إلى طرفِ الإيجابِ، ولا إلى طرفِ السلبِ، فهو تارةً يميلُ إلى الإيجابِ، وتارةً يميلُ إلى السلبِ، فنفسُه مُنْزَعِجَةٌ قلقةٌ ليست مطمئنةً إلى الثبوتِ ولا إلى
_________
(١) مضى عند تفسير الآية (٦٥) من سورة الأعراف.
(٢) انظر: معجم مفردات الإبدال والإعلال ص١٣٣، ٣٩١، ٣٩٣.
(٣) مضى عند تفسير الآية (٢) من سورة الأعراف.


الصفحة التالية
Icon