السكنَ هنا: أَيْ مَحَلاًّ تسكنونَ فيه مُلاَئِمًا لِلسُّكْنَى؛ لأَنَّ الليلَ ظرفٌ مناسبٌ للسُّكْنَى.
وعلى هذا: ﴿وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا﴾ جَعَلَهُ سَاجِيًا مظلمًا مُنَاسِبًا لِلسُّكْنَى، كما قال: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ [الضحى: آية ٢] أي: إذا صَارَ سَاجِيًا مُظْلِمًا، صَالِحًا لِلسُّكْنَى، ملائمًا للهدوءِ وعدمِ الحركةِ.
وقال بعضُ العلماءِ (١): السكنُ في لغةِ العربِ: هو كُلُّ ما ترتاحُ إليه وتحبُّه فتسكنُ إليه؛ وَلِذَا قيل لامرأةِ الرجلِ: (سَكَنُهُ) لأنه يَأْوِي إليها، وَكُلُّ شيءٍ أَوَيْتَ إليه وَارْتَحْتَ إليه فهو سَكَنٌ لَكَ. والمعنَى: شيءٌ يستريحونَ إليه، وَيَأْوُونَ إليه، لمناسبتِه للراحةِ والهدوءِ. وهذا معنَى قولِه: ﴿وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا﴾ ﴿وجاعِلُ الليل سكنًا﴾.
﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا﴾ الحُسْبَانُ هنا: هو من (الحِسَابِ) على أشهرِ التفسيراتِ.
قال بعضُ العلماءِ (٢): هو جَمْعُ حِسَابٍ، كشهابٍ وَشُهْبَانٍ، وحِسَاب وحُسْبَان.
وقال بعضُ العلماءِ (٣): هو مصدرُ (حَسَب) بفتحِ السينِ،
_________
(١) انظر: البحر المحيط (٤/ ١٨٦).
(٢) انظر: ابن جرير (١١/ ٥٥٩)، القرطبي (٧/ ٤٥)، البحر المحيط (٤/ ١٨٦)، الدر المصون (٥/ ٦٤).
(٣) انظر: ابن جرير (١١/ ٥٥٩)، القرطبي (٧/ ٤٥)، البحر المحيط (٤/ ١٨٦)، الدر المصون (٥/ ٦٤).
بالأظفار؛ لتكون هذه اليد خير أداة عاملة لبناء المجتمع، والمعاونة على الخير ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: آية ٢] فلمّا مدت أناملها الخائنة الخسيسة الخائسة لتأخذ مال الغير على أقبح وجه وأردئِه وأخسه كانت هذه اليد في نظر الشارع الذي خلقها كأنها نجسة، فنجست هذا العضو بقذارتها وقذارة خستها وفعلها، فأمر الشارع بإزالتها كعملية تطهيرية، كعضو فاسد يفسد جميع البدن وينتنه، فهي عملية تطهيرية لإزالة عضو منتن فاسد؛ ليصح بقية البدن ويطهر؛ ولذا ثبت في حديث عبادة بن الصامت الثابت في الصحيحين (١) ما يؤيد أنه إن أُقيم عليه الحد وقُطعت يده أن ذلك يطهِّره من تلك الخسيسة، فتطهر بقية البدن، مع أن المال هو شريان الحياة الذي به إقامة كل شيء؛ إذ لا عسكرية إلا بالمال، ولا اجتماع إلا بالمال، ولا ثقافة إلا بالمال، فهو شريان الحياة وأساس حجرها الأساسي الذي يَتَرَكَّز عليه كل شيء من مرافق الحياة.
والسرقة أخذه على وجه خبيث خسيس يعسر التحرز منه؛ لأن السارق ينظر الغفلاتِ، وأوقات الخلوات التي لا يُطَّلع عليه فيها غالبًا، فلو تركناه ولم نردعه ردعاً بالغاً لأمكن لليد السارقة الواحدة أن تبطل ملايين الأيدي، فتترك ملايين الأيدي عاطلة! فكيف نترك يداً واحدة تعيث وتفسد آلاف الملايين من الأيادي؟! فبقطعها يطهر بقية البدن، فيغفر الله للإنسان تلك الخسيسة، فيطهر من ذلك التنجيس والتقذير المعنوي، ثم إنه بعد ذلك ينزجر السفهاء عن سرقة أموال الناس، فتكون عدالةً اجتماعية، وتطهيراً سماويّاً من ذنب الخبيث، وهذه حكمة بالغة. فمعروف أن قطع السرقة فيه سؤال معروف، وهو أن
_________
(١) السابق.
بعدَ (سبق) كقولِه صلى الله عليه وسلم: «سَبَقَكَ بِهَا عُكَّاشَةُ» (١) وهي للتعدي؛ لأن الفعلَ لاَ يتعدى إلى الضميرِ إلا بها ﴿مَا سَبَقَكُمْ﴾ بهذه الفاحشةِ ﴿مِنْ أَحَدٍ مِّنَ الْعَالَمِينَ﴾ (من) الأُولَى أصلُها دخلت على الفاعلِ، والأصلُ: ما سَبَقَكُمْ أحدٌ بها. إلا أن النكرةَ في سياقِ النفيِ إن زِيدَتْ قَبْلَهَا (من) نَقَلَتْهَا من الظهورِ في العمومِ إلى التنصيصِ الصريحِ في العمومِ (٢).
وقولُه: ﴿مِّن الْعَالَمِينَ﴾ تبعيضيةٌ، أي: ما سَبَقَكُمْ أحدٌ من بعضِ جميعِ العالمينَ إلى هذه الفاحشةِ الْمُنْكَرَةِ والخصلةِ القبيحةِ الخسيسةِ - قَبَّحَهَا اللهُ جل وعلا - ولذا بَيَّنَهَا فقال: ﴿إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِّنْ دُونِ النِّسَاءِ﴾ [الأعراف: آية ٨١].
قرأ هذا الحرفَ عامةُ القراءِ ما عدا حَفْصًا عن عاصمٍ ونافعًا: ﴿أئنكم لتأتونَ الرجالَ﴾ بهمزةِ استفهامٍ إلا أن أبا عمرٍو وابنَ كثيرٍ سهَّلاَ الهمزةَ الثانيةَ بَيْنَ بَيْنَ، وأبا عمرٍو يُدْخِلُ بينَهما الألفَ المعروفةَ بألفِ الإدخالِ، والباقونَ من القراءِ قرؤوها بتحقيقِ الهمزتين ﴿أئنكم﴾ بهمزتين ولم يُدْخِلْ بَيْنَ الهمزتين المحققتين أَلِفًا من عامةِ القراءِ إلا هشامٌ عن ابنِ عامرٍ، فهشامٌ وحدَه عن ابنِ عامرٍ قرأ: ﴿ءائنكم﴾ بألفٍ بَيْنَ الهمزتين المحققتين، وعامةُ القراءِ غيرُ هشامٍ عن ابنِ عامرٍ الذين حَقَّقُوا الهمزتين لم يُدْخِلُوا بينهما ألفًا، والذين
_________
(١) البخاري في اللباس، باب: البرود والحبر والشملة، حديث رقم (٥٨١١)، (١٠/ ٢٧٦)، وأخرجه في موضع آخر، انظر: حديث رقم (٦٥٤٢)، ومسلم في الإيمان، باب الدليل على دخول طوائف المسلمين الجنة بغير حساب ولا عذاب. الأحاديث رقم (٢١٦، ٢١٨، ٢٢٠)، (١/ ١٩٧).
(٢) مضى عند تفسير الآية (٣٨) من سورة الأنعام.
قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ﴾ أي: غالب لا يغلبه شيء؛ ولذا قهر جند أبي جهل ورؤساء الكفر وقمعهم وقتلهم بعزته حيث كانت العزة له، وأعز عباده المؤمنين، كما قال: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: الآية ٨].
وقوله: ﴿حَكِيمٌ﴾ الحكيم في الاصطلاح: هو مَنْ يَضَعُ الأمُورَ في مواضعها ويوقعها في مواقعها، ولا تتم الحكمة إلا بتمام العلم، فكل نقص في الحكمة إنما يتسبب عن نقص في العلم، فترى الرجل القُلَّب البصير الحاذق يفعل الأمر يظنه في غاية السداد ثم ينكشف الغيب عن أن فيه هلاكه ومضرة عظيمة عليه، فيندم وقد فات الأوان، ويقول: ليتني لم أفعل، لو فعلت لكان كذا!!

لَيْتَ شِعْري وَأَيْنَ مِنِّي لَيْت إِنَّ ليتًا وإنَّ لوًّا عَنَاءُ (١)
لأن: (ليتني فعلت)، و (لو فعلت كذا لكان أصوب!!) كل هذا في اختلال الحكمة من عدم العلم بعواقب الأمور.
أُلامُ عَلَى لوٍّ ولَوْ كُنْتُ عَالمًا بِأَذْنَابِ لَوٍّ لم تَفُتْنِي أَوَائِلُه (٢)
الله (جل وعلا) وحده هو الذي لا يجري عليه: (لو فعلت كذا لكان أصوب)، أو: (ليتني لم أفعل)؛ لأنه عالم بعواقب الأمور وما تؤول إليه، فلا يضع أمرًا إلا في موضعه، ولا يوقعه إلا في موقعه؛ لإحاطة علمه (جل وعلا) بالخبايا والخفايا، وبما يكون وبما ينكشف عنه الغيب؛ ولذا قال جل وعلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال: الآية ١٠].
_________
(١) مضى عند تفسير الآية (١٢٨) من سورة الأنعام.
(٢) مضى عند تفسير الآية (٨٣) من سورة الأنعام.
﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ (٤٦) لَوْ خَرَجُوا فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً ولأَوْضَعُوا خِلاَلَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٤٧)﴾ [التوبة: الآيتان ٤٦، ٤٧].
﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً﴾ هؤلاء المنافقون الذين جاؤوا يستأذنون النبيَّ ﷺ في القعودِ كعبدِ اللَّهِ بنِ أُبَيٍّ، والجدِّ بنِ قيسٍ، وأضرابِهم، قال الله لِنَبِيِّهِ إنهم يستأذنون ويعتذرون الأعذارَ الكاذبةَ وهم في باطنِ أمرِهم مُصِرُّونَ على القعودِ وعدمِ الخروجِ، وَبَيَّنَ دليلَ ذلك في قولِه: ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ﴾ لو أراد هؤلاءِ المنافقون المستأذنون الخروجَ معكَ إلى غزوةِ تبوكَ ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ﴾ معكَ ﴿لأَعَدُّوا لَهُ﴾ أي: للخروجِ ﴿عُدَّةً﴾ أي: لَتَأَهَّبُوا للخروجِ وتهيؤوا له؛ لأن مَنْ يعزمُ على الخروجِ إلى قتالِ العدوِّ يتهيأُ قبلَ ذلك ويستعدُّ لذلك بإحضارِ العدةِ اللازمةِ لذلك، ولكن هؤلاء لم يَعُدُّوا شيئًا، ولم يُبالوا بشيءٍ، فَدَلَّ على أنهم مصرونَ عازمونَ على التخلفِ. وهذا معنَى قولِه: ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لأَعَدُّوا لَهُ﴾ [التوبة: آية ٤٦] أي: للخروجِ ﴿عُدَّةً﴾ أي: لَتَأَهَّبُوا له أُهْبَتَهُ وتهيؤوا له بإعدادِ ما يَلْزَمُهُ.
﴿وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ﴾ كَرِهَ اللَّهُ انبعاثَهم كَوْنًا وقدرًا؛ لأن اللَّهَ يعلمُ أنهم لو خرجوا مع رسولِه ما كان في خروجِهم له إلا الشرُّ، فلا يجدُ منهم إلا الضررَّ والشرَّ، فَثَبَّطَهُمْ عنه بحكمتِه لُطْفًا برسولِه ﷺ ﴿وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ﴾ الانبعاثُ مصدرُ انبعثَ ينبعثُ إذا ذَهَبَ إلى الشيءِ. ومنه: ﴿إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا (١٢)﴾ [الشمس: آية ١٢] ومعنَى ﴿انْبِعَاثَهُمْ﴾ أي: خروجهم غَازِينَ معكَ إلى تبوكَ،


الصفحة التالية
Icon