قال: فإن قيل: فقد يحتملُ أن يكونَ رفاعةُ بَتَّ طلاقَها في مَرّاتٍ.
قلت: ظاهره في مرة واحدة، وبتَّ إنَّما هي ثلاثٌ إذا احتملَتْ ثلاثاً، وقال رسول الله - ﷺ -: "أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟ لا، حتى يذوق عُسَيْلَتَكِ"، ولو كانت حَسَبَتْ طلاقَها بواحدة، كان لها أن ترجعَ إلى رفاعةَ بلا زوج.
فإن قيل: أطلَّق أحدٌ ثلاثاً على عهد رسول الله - ﷺ -؟
قيل: نعم، عُوَيْمِرٌ العَجْلانِيُّ طلقَ امرأتَهُ ثلاثاً قبلَ أن يخبره النبيُّ - ﷺ - أنها تحرم عليه باللّعانِ، فلما أعلمَ النبيَّ - ﷺ - نهاه (١).
وفاطمةُ بنتُ قيسٍ تحكي للنبيِّ - ﷺ - أنَّ زوجَها بتَّ طلاقها، تعني -والله أعلم-: أنَّه طلقها ثلاثاً، فقال النبي - ﷺ -: "ليسَ لكِ عليهِ نفقة" (٢)؛ لأنها -والله أعلم- لا رجعةَ لهُ عليها، ولم أعلمْه عابَ طلاقَ ثلاثٍ معاً.
قال: فلما كان حديثُ عائشةَ في رِفاعَةَ موافقاً ظاهرَ القرآن، وكانَ ثابتاً، كان أولى الحديثين أن يؤخذ به، والله أعلم، وإن كان ذلك ليس بالبيِّنِ فيه جداً.
قيل (٣): ولو كان الحديثُ الآخر له مخالفاً، كان الحديثُ الآخر يكون
(١) رواه البخاري (٤٩٥٩)، كتاب: الطلاق، باب: من أجاز طلاق الثلاث، ومسلم (١٤٩٢)، في أول كتاب اللعان، عن سهل بن سعد الساعدي.
(٢) رواه مسلم (١٤٨٠)، كتاب: الطلاق، باب: المطلقة ثلاثاً لا نفقة لها، عن فاطمة بنت قيس.
(٣) "قيل" ليست في "أ".