وأما ما رواه سُفيانُ بنُ عُيَيْنَةَ في حديثِ ابنِ عباس -رضي الله تعالى عنهما - قال: قال رسول الله - ﷺ -: "الثَّيِّبُ أحقُّ بنفسِها من وليِّها، والبِكْرُ يستأذنها أبوها في نفسِها، وإذنُها صُماتُها" (١)؛ فإنَّ الحافظَ أبا الحسنِ علي بنَ عُمرَ الدَّارَقُطْنِي قال: لا نعلمُ أحدًا وافق ابنَ عُيينةَ على هذا اللفظ، ولعله ذكرهُ من حفظِهِ، وسبقَ إليه لسانُه (٢).
وقال أبو داود: "أبوها" ليسَ بمحفوظ (٣)، وهذا مسلكٌ سلكتُهُ في تقريرِ الوِلايةِ للرجلِ في النِّكاحِ، وفي الجَمْعِ بين حديثِ ابن عباسٍ الَّذي أخذ به أهل الظاهر وغيره.
وسلك الشافعيُّ في الاستدلال مَسْلكًا آخر، فخصَّصَ الوليَّ المذكورَ في قوله - ﷺ -: "الثيِّبُ أَحَقُّ بنفسِها من وليِّها" بالأب، وحمل استئذان البكْرِ على الاختيار، لا على الفرض؛ لأجل استطابةِ نفسِها، قال: لأن النبي - ﷺ - فَرَّقَ بين الثَّيِّبِ والبِكْرِ، ولم أعلم أن أهلَ العلمِ اختلفوا في أنَّه ليسَ لأحدٍ من الأولياءٍ غير الأب أن يزوجَ بِكرًا ولا ثَيِّبًا إلا بإذنها، فإذا كانوا لم يفرِّقوا بين البكرِ والثيِّبِ البالِغَتَيْنِ -يعني: في غير الأب - لم يجز إلا ما وصفتُ (٤).
ولكنَّ هذا الاستدلالَ يبطلُه قولُه - ﷺ -: "لا تُنْكَحُ الثيِّبُ حتَّى تُسْتَأمَرَ، ولا البِكْرُ حَتَّى تُسْتأذنَ" (٥)، وتخصيصهُ بالأب لا دليلَ عليه، وكذلك حملُهُ الاستئذانَ على الاختيارِ لا على الفرض قد ثبتَ الدليلُ على بطلانه.
* * *
(٢) انظر: "السنن" للدارقطني (٣/ ٢٤١).
(٣) انظر: "سنن أبي داود" (٢/ ٢٣٢).
(٤) انظر: "الأم" للإمام الشافعي (٥/ ١٩).
(٥) تقدم تخريجه.