وأما الحديثُ الذي يدلُّ لهم، فالجوابُ عنه ممكنٌ، وهو أن يقال: إن هذا اللفظ للمبالغة كما بولِغَ بالقليلِ المحدودِ عن الكثيرِ في قوله - ﷺ -: "من بنى لله مسجِداً، ولو مثلَ مِفْحَصِ قَطَاةٍ (١)، بنى اللهُ له بيتاً في الجنة" (٢).
ثم اختلف القائلون باعتبار النِّصابِ في قدره على أقوال كثيرة، والمشهورُ منها ثلاثة أقوال.
أحدها: قولُ مالِكٍ وأهلِ الحجاز (٣): أنه ثلاثةُ دراهمَ من الفضة، وربعُ دينارٍ من الذهب، أو ما يساوي ثلاثةَ دراهمَ من سائِر الأشياء، فجعلَ الدراهمَ وربعَ الدينار أصلين في أنفسِهما، وجعلَ الدراهمَ أصلاً في غيرِهما.
واستدلُّوا (٤) بقولِ عائشةَ -رضي الله تعالى عنها - سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول: "تُقْطَعُ اليدُ في ربعِ دينارٍ فصاعداً" (٥)، وبما روى ابنُ عمرَ -رضي الله تعالى عنهما -: أن النبيَّ - ﷺ - قطعَ في مِجَنٍّ قيمتُه ثلاثةُ دراهم (٦).
القول الثاني: ما ذهبَ إليه الشافعيُّ أنه ربعُ دينارٍ فقط (٧)، وأنه أصلٌ
(٢) رواه ابن أبي شيبة في "المصنف" (٣١٥٥)، والبزار في "مسنده" (٤٧٩)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (٢/ ٤٣٧)، عن أبي ذر الغفاري، بهذا اللفظ.
(٣) وهو مذهب أحمد. انظر: "التمهيد" لابن عبد البر (١٤/ ٣٧٥)، و"شرح مسلم" للنووي (١١/ ١٨٢)، و"المغني" لابن قدامة (٩/ ١١٢).
(٤) في "ب": "واستدل".
(٥) تقدم تخريجه.
(٦) تقدم تخريجه.
(٧) انظر: "مختصر المزني" (ص: ٢٦٣)، و"الحاوي الكبير" للماوردي =