كقولهم: فلان عالم نحرير، وشجاع باسل، وجواد فياض؟ قلت: لما قال: (الرَّحْمَنِ) فتناول جلائل النعم، وعظائمها وأصولها، أردفه (الرَّحِيمِ)،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
والتتميم لا يحصل إلا من قولك: يعلم معاني كلام الله المجيد والتصريف؛ إذ من شرط التتميم الأخذ بما هو الأعلى في الشيء، ثم ما هو أحط منه ليستوعب جميع ما يدخل تحت ذلك الشيء؛ لأنهم لا يعدلون عن الأصل والقياس إلا لتوخي نكتة، والجواب إذن من باب الأسلوب الحكيم، والله أعلم.
والذي عليه ظاهر كلام الإمام: أنه من باب التكميل وهو أن يؤتى بكلام في فن، فيرى أنه ناقص فيه فيكمل بآخر، فإنه تعالى لما قال: "الرحمن" توهم أن جلائل النعم منه، وأن الدقائق لا يجوز أن تنسب إليه لحقارتها، فكمل بالرحيم. وينصره ما روينا عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ليسأل أحدكم ربه حاجته كلها حتى يسأل شسع نعله إذا انقطع"، وزاد: "حتى يسأله الملح"، أخرجه الترمذي.
قوله: (نحرير)، أي: بليغ في العلم، كأنه ينحر الشيء علماً، الأساس: جلس فلان في نحر فلان: قابله، ونحرته نحراً: قابلته، ونحر الأمور علماً. ومنه: هو نحرير من النحارير، وسئل جرير عن شعراء الإسلام فقال: نبغة الشعر للفرزدق، وأنا نحرت الشعر نحراً.