تكون "ما" في ﴿إِنَّمَا﴾ موصولة لا كافة؛ فيرجع إليها الضمير، على معنى: إن الذي أوتيته على علم. ﴿بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ﴾ إنكار لقوله، كأنه لقوله، كأنه قال: ما خولناك من النعمة لما تقول، بل هي فتنة، أي: ابتلاء وامتحان لك، أتشكر أم تكفر. فإن قلت: كيف ذكر الضمير ثم أنثه؟ قلت: حملًا على المعنى أولًا، وعلى الفظ آخرًا؛ ولأن الخبر لما كان مؤنثًا- أعني: ﴿فِتْنَةٌ﴾ - ساغ تأنيث المبتدأ لأجله؛ لأنه في معناه، كقولهم: ما جاءت حاجتك. وقرئ: (بل هو فتنة) على وفق ﴿إِنَّما أُوتِيتُهُ﴾. فإن قلت: ما السبب في عطف هذه الآية بالفاء وعطف مثلها في أول السورة بالواو؟ قلت: السبب في ذلك: أن هذه وقعت مسببةً عن قوله: ﴿وإذَا ذُكِرَ اللَّهُ وحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ﴾ [الزمر: ٤٥] على معنى: أنهم يشمئزون عن ذكر الله ويستبشرون بذكر الآلهة، فإذا مس أحدهم ضر دعا من اشمأز من ذكره، دون من استبشر بذكره، وما بينهما من الآي اعتراض. فإن قلت: حق الاعتراض أن يؤكد المعترض بينه وبينه
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ولأن الخبر لما كان مؤنثًا- أعني: ﴿فِتْنَةٌ﴾ - ساغ تأنيث المبتدأ)، هذا الوجه أولى من الأول؛ لأن ابن جني ذكر أنه إذا حمل على المعنى أولًا لا يحسن بعده الحمل على اللفظ في قوله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ [آل عمران: ١٤٦]، وتبعه المصنف.
قوله: (ما جاءت)، عن بعضهم: "جاء" بمعنى: كان هاهنا، أي: أي شيء كانت حاجتك؟ ومنه ما روي: سبق رسول الله ﷺ بين الخيل، فجاء قريش له سابقًا. أي: كان قريش له سابقًا.
قوله: (أن يؤكد المعترض بينه وبينه)، قيل: الضميران راجعان إلى ما يرجع إليه الضمير في قوله: "وما بينهما من الآي"، أي: الاعتراض يؤكد معنى ما يلحقه وما يسبقه،