ويجوز أن تضرب الجملة كما هي - وهي (خَتَم اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ) - مثلاً، كقولهم: سال به الوادي، إذا هلك. وطارت به العنقاء، إذا أطال الغيبة، وليس للوادي ولا للعنقاء عمل في هلاكه ولا في طول غيبته وإنما هو تمثيل مثلت حاله في هلاكه بحال
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ويجوز أن تضرب الجملة كما هي) هذا هو الوجه الثاني من الوجوه، وهو مبنيٌّ على التمثيل، وهو الذي عناه صاحب ((المفتاح)) بقوله: التشبيه التمثيلي متى فشا استعماله على سبيل الاستعارة سمي مثلاً. والفرق بين هذا التمثيل والذي سبق في قوله: ((ختم))، هو أن في ذلك الاستعارة واقعةٌ في الختم فقط على سبيل التبعية، وهنا الاستعارة في الجملة برأسها، وإليه الإشارة بقوله: ((أن تضرب الجملة كما هي مثلاً)). ثم هذا الوجه يقدر على ثلاثة أضربٍ:
أحدهما: أن تكون قلوبٌ موجودةٌ ختم الله تعالى عليها نحو قلوب الأغتام. الأساس: الغتمة: عجمةٌ في النطق، ورجلٌ أغتم وقوم غتمٌ وأغتام من الغتم، وهو الأخذ بالنفس.
وثانيهما: كذلك نحو قلوب البهائم.
وثالثهما: قلوبٌ مقدرةٌ ختمها لا وجود لها.
قوله: (ولا للعنقاء عملٌ في هلاكه) عن الميداني، قال الخليل: سميت عنقاء؛ لأنه كان في عنقها بياض كالطوق، ويقال: لطولٍ في عنقها. قال الكلبي: كان لأهل الرس نبيٌّ يقال له حنظلة بن صفوان، وكان بأرضهم جبلٌ مصعدة ميلٌ، وكانت تنتابه طائرةٌ كأعظم ما يكون لها عنقٌ طويلٌ فجاعت ذات يوم، وأعوزت الطير، فانقضت على صبيٍّ، فذهبت به فسميت ((عنقاء مغرب))، لأنها تغرب كل ما أخذته، ثم انقضت على جارية فشكوا ذلك إلى نبيهم،