قلت: اختصاصهما بالذكر كشف عن إفراطهم في الخبث،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وأجاب: أن ((الكفر جمع الفريقين معاً)) إلى آخره، يعني: كون هؤلاء مخصوصين بحكم النفاق لا يخرجهم من جنس المصممين، بل يفيد تميزهم عنهم بما لم يتصفوا به، وإليه الإشارة بقوله: ((بزيادةٍ زادوها على الكفر الجامع بينهما))، فالتعريف في قوله: ((الكفر جمع الفريقين معاً)) وقوله: ((الكفر الجامع بينهما)) للعهد وهو الكفر الخاص، لأنه جنسٌ أيضاً باعتبار النوعين، وهذا من فصيح الكلام ووجيزه؛ لأن الجنس إذا أطلق شاع في جميع متناولاته إن لم تنتهض قرينةٌ على إرادة البعض، فإذا حصلت القرينة قيدت، فإذا كررت كرر، فإنه تعالى لما قال: (إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا) تناول جميع الفرق من الكفرة، فقيد بقوله: (سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ) بالمصممين، ثم قيده مرةً أخرى مع ذلك القيد بقوله: (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ). ونحوه قول الأصوليين: يجوز تخصيص ما بقي غير محصور، وكيف لا يكون المنافقون مختوماً على قلوبهم، وقد صح المصنف بعد هذا في قوله: (ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ) [البقرة: ١٧]! والأوجه أن يراد الطبع بقوله: (صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ) [البقرة: ١٨].
ثم إني عثرت بعد هذا التقرير على كلامٍ من جانب الإمام أفضل المتأخرين القاضي ناصر الدين- تغمده الله برضوانه- ما شد بعضده، قال: واللام فيه للجنس و ((مَنْ) موصوفةٌ إذ لا عهد، فكأنه قال: ومن الناس ناسٌ يقولون، وقيل: للعهد، والمعهودون: هم الذين كفروا، و ((مَنْ)) موصولةٌ مرادٌ بها ابن أبيًّ وأصحابه ونظراؤه، فإنهم من حيث إنهم صمموا على النفاق دخلوا في عداد الكفار المختوم على قلوبهم، واختصاصهم بزيادةٍ زادوها على الكفر لا يأبى دخولهم في هذا الجنس، فإن الأجناس إنما تتنوع بزياداتٍ تختلف فيها أبعاضها.
قوله: (اختصاصهما)، فاعله: الله، يعني: إنما خصهما بالذكر من بين سائر قبائحهم للكشف عن إفراطهم في الخبث.