ولا من الإيمان بغيرهما. فإن قلت: ما المراد باليوم الآخر؟ قلت: يجوز أن يراد به الوقت الذي لا حدّ له وهو الأبد الدائم الذي لا ينقطع، لتأخره عن الأوقات المنقضية. وأن يراد الوقت المحدود من النشور إلى أن يدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار، لأنه آخر الأوقات المحدودة الذي لا حدّ للوقت بعده. والخدع: أن يوهم صاحبه خلاف ما يريد به من المكروه. من قولهم: ضب خادع وخدع، إذا أمر الحارش يده على باب جحره أو همه إقباله عليه ثم خرج من باب آخر. فإن قلت: كيف ذلك ومخادعة اللَّه والمؤمنين لا تصح لأن العالم الذي لا تخفى عليه خافية لا يخدع، والحكيم الذي لا يفعل القبيح لا يخدع، والمؤمنون وإن جاز أن يخدعوا لم يجز أن يخدعوا.
ألا نرى إلى قوله:
واسْتَمْطَرُوا مِنْ قُرَيْشٍ كلَّ مُنْخدِعِ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (أن يراد به الوقت الذي لا حد له) يريد أن اليوم هنا: الوقت. وهو إما أن يعبر به عن الوقت الذي لا انقضاء له وبإزائه الوقت الذي له انقضاءٌ، وهو الأيام الدنيوية، وأوان البرزخ، وأوان النشور لفصل القضاء ولتعاقبه إياها سمي باليوم الآخر، وأن يعبر به عن الوقت المحدد، أي: الذي عينه الله تعالى بقوله: (فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ) [المعارج: ٤]، وسمي باليوم الآخر لكونه آخر الأيام المنقضية ومن جملتها، وتلك محدودةٌ في علمه الخاص.
قوله: (والخدع أن يوهم صاحبه خلاف ما يريد به من المكروه) وزاده القاضي: لينزله عما هو بصدده. وقال الإمام: إظهار ما يوهم السلامة، وإبطان ما يقتضى الإضرار بالغير أو التخلص منه. يشير إلى أن تعريفه ليس بجامعٍ، ولعل قوله: ((من المكروه)) يشمل تخلصه منه؛ لأن العدو يكره خلاص عدوه، وفي قوله: ((ثم خرج من بابٍ آخر)) رمزٌ إليه.
قوله: (واستمطروا من قريشٍ كل منخدعٍ) تمامه:
إن الكريم إذا خادعته انخدعا


الصفحة التالية
Icon