قال الملك كذا ورسم كذا وإنما القائل والراسم وزيره أو بعض خاصته الذين قولهم قوله ورسمهم رسمه. مصداقه قوله: (إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ، يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ) [الفتح: ١٠]، وقوله: (مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ) [النساء: ٨٠]. والرابع: أن يكون من قولهم: أعجبنى زيد وكرمه، فيكون المعنى يخادعون الذين آمنوا باللَّه. وفائدة هذه الطريقة قوة الاختصاص، ولما كان المؤمنون من اللَّه بمكان، سلك بهم ذلك المسلك. ومثله: (وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ) [التوبة: ٦٢]، وكذلك: (إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) [الأحزاب: ٥٧].
ونظيره في كلامهم: علمت زيدا فاضلا، والغرض فيه ذكر إحاطة العلم بفضل زيد لا به نفسه لأنه كان معلوما له قديما كأنه قيل: علمت فضل زيد ولكن ذكر زيد توطئة وتمهيد لذكر فضله. فإن قلت: هل للاقتصار بخادعت على واحد وجه صحيح؟ قلت: وجهه أن يقال: عنى به «فعلت» إلا أنه أخرج في زنة «فاعلت»؛
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
واعلم أن الخداع قد يكون حسناً إذا كان الغرض استنزال الغير من ضلالٍ إلى رشدٍ، كما يفعل الأب البار بابنه من حيلةٍ تدعوه إلى ترك شرٍّ أو تعاطي خير. ومن تأمل جميع استدراجات التنزيل على لسان الرسل في دعوة الأمم، عاين معنى الخداع وشاهده.
قوله: (أعجبني زيدٌ وكرمه) أي: أعجبني كرم زيدٍ. والتركيب يشبه البدل والمبدل منه من حيث التوظئة والتمهيد والتفسير والتأكيد، ويفترق من حيث إن المبدل في حكم المنحى. والمعطوف عليه هنا مقصودٌ بالذكر، ومرادٌ في الحكم، فكان لذات زيدٍ أيضاً مدخلاً في الإعجاب، ومن ثم قال: ((ولما كان المؤمنون من الله بمكانٍ سلك بهم ذلك المسلك)) أي: لما كان المؤمنون من الله بمنزلةٍ عظيمةٍ واختصاصٍ قويٍّ كأنه سرى خداعهم إلى خداعه تعالى. ويدل على الفرق قوله في المثال ((إحاطة العلم بفضل زيدٍ لا به نفسه)) إذ ليس فيه ذكر العاطف، فلا يكون فيه معنى الاختصاص بل مجرد التوطئة كما في المبدل. والمصنف كثيراً يسلك في تراكيبه هذا الفن من العطف ويشبه أن يسمى بالعطف التفسيري.


الصفحة التالية
Icon