والإحسان إليهم وإعطائهم الحظوظ من المغانم ونحو ذلك من الفوائد، ومنها اطلاعهم - لاختلاطهم بهم - على الأسرار التي كانوا حراصا على إذاعتها إلى منابذيهم.
فإن قلت: فلو أظهر عليهم حتى لا يصلوا إلى هذه الأغراض بخداعهم عنها. قلت: لم يظهر عليهم لما أحاط به علما من المصالح التي لو أظهر عليهم لانقلبت مفاسد واستبقاء إبليس وذرّيته ومتاركتهم وما هم عليه من إغواء المنافقين وتلقينهم النفاق أشدّ من ذلك. ولكن السبب فيه ما علمه تعالى من المصلحة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (منابذيهم)، الأساس: من المجاز: نبذ إلى العدو: رمى إليه بالعهد ونقضه، ونابذه منابذةً.
قوله: (فلو أظهر عليهم) جواب ((لو)) محذوفٌ، أي: لو جعل الله تعالى نفاقهم ظاهراً على المسلمين إظهاراً جلياً حتى لا يصلوا إلى أغراضهم، ماذا كان؟ ولا يجوز أن يكون ((أظهر عليهم)) بمعنى أطلع عليهم إلا على تقدير حذفٍ، أي: أطلع الله على المؤمنين على أسرار المنافقين.
قوله: (لانقلبت مفاسد) منها: أنهم إذا ستروا على المنافقين أحوالهم، خفي على المخالفين أمرهم، وحسبوا أنهم من جملة المسلمين وأن كلمتهم واحدة، فكان ذلك سبباً لاجتنابهم عن محاربة المسلمين لكثرة عددهم، بل يؤدي ذلك إلى استشعار الخوف منهم، وإذا أظهر الله عليهم، انقلبت إلى العكس.
ومنها: أنهم إذا سمعوا مخاشنة المسلمين مع من يصحبهم، ومن اشتهر أنه منهم، كان ذلك سبباً لنفرتهم وعدم تآلفهم؛ روينا عن البخاري ومسلمٍ والترمذي عن جابرٍ، قال عمر رضي الله عنه: ألا نقتل يا نبي الله هذا الخبيث، يعني عبد الله بن أبيٍّ بن سلول؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا يتحدث الناس أنه كان يقتل أصحابه)) هذا مبنيٌّ على رعاية الأصلح، وإلا فالله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد.