أن يراد الألم كما تقول في جوفه مرض. والمجاز أن يستعار لبعض أعراض القلب، كسوء الاعتقاد، والغل، والحسد والميل إلى المعاصي، والعزم عليها، واستشعار الهوى، والجبن، والضعف، وغير ذلك مما هو فساد وآفة شبيهة بالمرض،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ثم قال: في قوله: ((فالحقيقة أن يراد الألم)) نظر؛ لأن الألم مسببٌ عن المرض لا نفس المرض.
قال القاضي: المرض: حقيقةٌ فيما يعرض للبدن، فيخرجه عن الاعتدال الخاص به، ويوجب الخلل في أفعاله، ومجازٌ في الأعراض النفسانية التي تخل بكمالها كالجهل وسوء العقيدة والحسد والضغينة وحب المعاصي، لأنها مانعةٌ عن نيل الفضائل أو مؤديةٌ إلى زوال الحياة الحقيقية الأبدية.
قوله: (كسوء الاعتقاد) إلى آخره، جعل أمراض القلب على نوعين:
أحدهما: ما يتعلق بالدين وهو المراد بقوله: ((كسوء الاعتقاد)) وهو الكفر والبدعة.
وثانيهما: ما يتعلق بالأخلاق، وهو إما ما يصدر به عن فاعله الرذائل، وهو المراد بقوله: ((الغل والحسد والميل إلى المعاصي)) وجعل طلب الشهوات شعاراً له. أو يمنعه من نيل الفضائل وهو المراد بقوله: ((والجبن والضعف)) فإن الجبن يمنعه من الشجاعة وكف الأذى عن نفسه وطلب معالي الأمور، والضعف يمنعه عن بذل المعروف، ويحمله على أن يقنع بسفساف الأمور، ولهذا لما نشر هذا الكلام جاء بلفظة ((أو)) في الوجهين الآخرين. ومعنى الاستئناف في قوله: (فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ) [البقرة: ١٠] كمعنى الاستئناف في قوله: (خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ) [البقرة: ٧].


الصفحة التالية
Icon