وذلك مما يؤدي إلى هيج الفتن بينهم، فلما كان ذلك من صنيعهم مؤديا إلى الفساد قيل لهم: لا تفسدوا، كما تقول للرجل: لا تقتل نفسك بيدك، ولا تلق نفسك في النار، إذا أقدم على ما هذه عاقبته. و «إنما» لقصر الحكم على شيء، كقولك: إنما ينطق زيد، أو لقصر الشيء على حكم كقولك: إنما زيد كاتب. ومعنى إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ أن صفة المصلحين خلصت لهم وتمحضت من غير شائبة قادح فيها من وجه من وجوه الفساد. وأَلا مركبة من همزة الاستفهام وحرف النفي، لإعطاء معنى التنبيه على تحقق ما بعدها، والاستفهام إذا دخل على النفي أفاد تحقيقا كقوله: (أَلَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ) [القيامة: ٤٠].
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الراغب: مالأته: عاونته وصرت من ملئه، أي: جمعه، نحو: شايعته، أي: صرت من شيعته.
قوله: (إنما لقصر الحكم على شيءٍ) أي: لقصر المسند على المسند إليه كقولك: إنما ينطلق زيدٌ. فهو لقصر الانطلاق على زيدٍ؛ لأنه فرع قولك: ما ينطلق إلا زيدٌ، فيلزم أن لا يكون أحدٌ منطلقاً، ولا يلزم أن لا يكون له صفةٌ غير الانطلاق.
قوله: (أو لقصر الشيء على حكم) أي: لقصر المسند إليه على المسند كقولك: إنما زيدٌ كاتبٌ، فهو لقصر زيدٍ على الكتابة؛ لأنه فرع قولك: ما زيدٌ إلا كاتبٌ، فيلزم أن لا يكون له صفةٌ غيرها، ولا يلزم أن لا يكون غيره كاتباً، وقوله تعالى: (إنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ) [البقرة: ١١] من قبيل الثاني، وتقريره: أن المسلمين لما قالوا لهم: لا تفسدوا في الأرض، توهموا أن المسلمين أرادوا بذلك أنكم تخلطون الإفساد بالإصلاح، فأجابوا: بأنا مقصورون على الإصلاح لا نتجاوز إلى الإفساد ولا نتخطى إليه بوجهٍ من الوجوه، فيلزم منه عدم الخلط. وإليه أومأ بقوله: ((إن صفة المصلحين خلصت لهم)) إلى آخره فهو لقصر الإفراد، فأجيبوا بالقصر القلبي وهو (أَلا إنَّهُمْ هُمُ المُفْسِدُونَ) [البقرة: ١٢]، لإفادة ضمير الفصل وتعريف الجنس في الخبر أنهم


الصفحة التالية
Icon