والمبالغة فيه من جهة الاستئناف وما في كلتا الكلمتين ألا. وإن من التأكيدين وتعريف الخبر وتوسيط الفصل. وقوله: (لا يَشْعُرُونَ).
أتوهم في النصيحة من وجهين: أحدهما تقبيح ما كانوا عليه لبعده من الصواب وجرّه إلى الفساد والفتنة. والثاني: تبصيرهم الطريق الأسد من اتباع ذوى الأحلام، ودخولهم في عدادهم فكان من جوابهم أن سفهوهم لفرط سفههم، وجهلوهم لتمادى جهلهم. وفي ذلك تسلية للعالم مما يلقى من الجهلة. فإن قلت: كيف صح أن يسند (قيل) إلى (لا تفسدوا) و (آمنوا) وإسناد الفعل إلى الفعل مما لا يصح؟ قلت: الذي لا يصح هو إسناد الفعل إلى معنى الفعل، وهذا إسناد له إلى لفظه، كأنه قيل: وإذا قيل لهم هذا القول وهذا الكلام،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (والمبالغة فيه من جهة الاستئناف) أي: ترك العاطف ليفيد ضرباً من المبالغة، وذلك أن ادعاءهم الإصلاح لأنفسهم على ما ادعوه مع توغلهم في الإفساد مما يشوق السامع أن يعرف ما حكم الله تعالى عليهم، وكان وروده هكذا أي: على التشويق، يفيد المبالغة، فإن الشيء إذا وجد بعد الطلب كان أعز مما فوجئ به من غير التعب.
وفي قوله: (لاَّ يَشْعُرُونَ) أيضاً تأكيدٌ؛ لأن الشعور عِلْمُ الشيء عِلْمَ حسٍّ، فإذا نفى شعورهم كان أدعى لظهور الفساد، ولأن من ركب متن الفساد وله شعورٌ بقبحه ربما نزل منه، ولكن إذا فقد الشعور به بلغ غايته.
قوله: (أتوهم) هذا شروعٌ في تفسير قوله تعالى: (وَإذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ) [البقرة: ١٣] بعد ما فرغ من تفسير قوله: (وَإذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا) [البقرة: ١١] على سبيل ترتيب النظم، أي: المسلمون نصحوا المنافقين أولاً: بإزالة ما لا ينبغي وهو الإفساد في الأرض، وثانياً: بتحصيل ما ينبغي وهو الإصلاح بإتباع دين الحق والانخراط في زمرة المؤمنين.


الصفحة التالية
Icon