..................................
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
و((ما كان قائماً بينهم)) عطفٌ على ((جاهليتهم)) على نحو: أعجبني زيدٌ وكرمه؛ لاستدعاء الضمير في ((بينهم)) أن يكون المرجع إليه العرب. وقوله: ((فأمرٌ دنيوي)) جواب ((أما)). قوله: ((فهو كالمحسوس)) عطفٌ على ((فأمرٌ دنيوي)) مترتبٌ عليه. وأما مع ما بعده عطفٌ على قوله: ((لأن أمر الديانة)) من حيث المعنى، لأن ((أما)) تفصيليةٌ تستدعي التثنية والتكرير.
وتلخيص المعنى: أما أمر الديانة، فأمرٌ أخرويٌّ يحتاج إلى دقة نظرٍ، فلذلك فصلت الآية التي اشتملت على الإيمان بقوله: (لاَّ يَعْلَمُونَ)، وأما أمر البغي والفساد فأمرٌ دنيويٌّ فهو كالمحسوس المشاهد لا يحتاج إلى دقة نظر، فلذلك فصلت الآية ب ((لا يشعرون)).
الراغب: أصل الشعور من الشعر، ومنه الشعار: الثوب الذي يلي الجسد. وشعرت كذا يستعمل على وجهين: تارةً يؤخذ من مس الشعر، ويعبر به عن اللمس، وعنه استعمل المشاعر للحواس، فإذا قيل: فلانٌ لا يشعر، فذلك أبلغ في الذم من قولهم: إنه لا يسمع ولا يبصر؛ لأن حس اللمس أعم من حس السمع والبصر، وتارةً يقال: شعرت كذا، أي: أدركت شيئاً. وقالوا: فلانٌ يشق الشعر في كذا، إذا دقق النظر فيه، ومنه أخذ الشاعر لإدراكه دقائق المعاني.
فظهر أن ((شعرت)) يستعمل بمعنى: أحسست، وبمعنى أدركت وفطنت، فقوله: (وَمَا يَشْعُرُونَ) في الآية الأولى نفيٌ للإحساس عنهم، وفي هذه الآية نفي الفطنة، لأن معرفة الصلاح والفساد تدرك بالفطنة، وفي الآية التي بعدهما نفي العلم، وفي نفيها على هذه الوجوه تنبيهٌ لطيفٌ ومعنىً دقيقٌ، وذلك أنه بين في الأول أن في استعمالهم الخديعة نهايةً للجهل الدال على عدم الحس، وفي الثاني: أنهم لا يفطنون، تنبيهاً على أن ذلك لازمٌ لهم؛ لأن من لا حس له لا فطنة له، وفي الثالث: أنهم لا يعلمون، تنبيهاً أن ذلك أيضاً لازمٌ لهم لأن من لا فطنة له، لا علم له.