ألا ترى إلى حكاية اللَّه قول المؤمنين: (رَبَّنا إِنَّنا آمَنَّا) [آل عمران: ١٦]؟
وأما مخاطبة إخوانهم، فهم فيما أخبروا به عن أنفسهم من الثبات على اليهودية،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ألا ترى إلى حكاية الله) استئنافٌ على تقدير سؤالٍ، كأن قائلاً يقول: لزم من قولك: إنهم لو ساعدتهم أنفسهم عليه أو روج عنهم ما قالوه، لأكدوا كلامهم، وما أمارة ذلك؟ فقيل: ألا ترى أن المسلمين كيف أوردوا في مثل هذا التركيب ما قدروا عليه من التأكيد لنا أنهم كانوا أوحديين فيه، فساعدتهم أنفسهم عليه، وكان ذلك مقبولاً منهم. وحاصل التأويل: أن معنى التوكيد الذي تعطيه ((إن)) ها هنا ليس راجعاً إلى المخاطب في إزالة تردده أو نفي شكه، بل إلى المتكلم في إظهار نشاطه ووفور ارتياحه إيذاناً بأن المقام خليقٌ بالإطناب وإبداء ارتياحه ونشاطه، وإعلاماً بأن السامع يتلقاه بالقبول، ويصغي إليه بشراشره.
فإن قلت: فكيف سمحت أريحيتهم حتى قالوا: آمنا بالله وباليوم الآخر بتكرير الباء المؤكدة، أم كيف ادعوا أنهم اختاروا الإيمان من جانبيه، واكتنفوه من قطريه، وهم بين ظهراني أولئك المتوسمين؟
قلت: ولذلك قال: ((مساق هذه الآية بخلاف ما سيقت له أول قصة المنافقين)) لأن مساق تلك للتقية ولخداعهم ودعوى أنهم مثل المؤمنين في الإيمانين ليجروا عليهم أحكامهم، ويعفوهم من المحاربة والمقاتلة. يؤيده بيانه بقوله: (يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا) [البقرة: ٩] فهو جديرٌ بالتوكيد، ومساق هذه مساق الاستهزاء والاستخفاف بعد استقرار تلك الدعوى، فهو بالخلو عن التوكيد أحرى.
قوله: (وأما مخاطبة إخوانهم) عطفٌ على قوله: ((ليس ما خاطبوا به المؤمنين)).