فإن قلت: كيف ابتدئ قوله: (اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ) ولم يعطف على الكلام قبله «١». قلت: هو استئناف في غاية الجزالة والفخامة. وفيه أن اللَّه عز وجل هو الذي يستهزئ بهم الاستهزاء الأبلغ، الذي ليس استهزاؤهم إليه باستهزاءٍ،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (هو استئنافٌ في غاية الجزالة) قيل: بيان الجزالة هو: أن حكاية حال المنافقين في الذي قبله لما كانت تحرك السامعين أن يسألوا: ما مصير أمرهم، وعقبى حالهم، وكيف معاملة الله إياهم؟ لم يكن من البلاغة أن يعرى الكلام عن الجواب، فلزم المصير إلى الاستئناف.
وقلت: ما ذكر بيانٌ لكيفية ورود الاستئناف في هذا المقام، لا بيان جزالته، إذ حقيقة الاستئناف هو أن تجعل الجملة السابقة كالمورد للسؤال، فيجاب بالجملة الثانية، وقول المصنف: ((في غاية الجزالة)) يقتضي أمراً آخر، وتقريره أن يقال: كان من مقتضى الظاهر أن تصدر الجملة باسم المؤمنين، لأن المستهزأ بهم هم كما في قوله تعالى: (إنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ* وإذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ) [المطففين: ٢٩ - ٣٠] إلى قوله تعالى: (فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الكُفَّارِ يَضْحَكُونَ) [المطففين: ٣٤]، فلما صدرت بذكر اسم الله الجامع لجميع الصفات وبنى الخبر عليه ليتقوى الحكم، وأبرز الفعل على صيغة المضارع المؤذن بالاستمرار لاستدعاء الجواب، ليكون أبلغ من كلامهم، دل ذلك كله على جزالة الاستئناف وفخامته، ولزم منه تعظيم جانب المؤمنين، وأنه تعالى هو الذي يتولى الاستهزاء البليغ بنفسه تعالى. وكفى الله المؤمنين القتال.
وقد أشار إلى هذه المعاني بقوله: ((وفيه أن الله هو الذي يستهزئ بهم)) وقوله: ((وفيه أن الله