اعترض سائل فقال: ما بالهم قد أشبهت حالهم حال هذا المستوقد؟ فقيل له: ذهب اللَّه بنورهم. أو يكون بدلا من جملة التمثيل على سبيل البيان. فإن قلت: قد رجع الضمير في هذا الوجه إلى المنافقين فما مرجعه في الوجه الثاني؟ قلت: مرجعه الذي استوقد لأنه في معنى الجمع. وأما جمع هذا الضمير وتوحيده في: (حَوْلَهُ)، فللحمل على اللفظ تارة، وعلى المعنى أخرى. فإن قلت: فما معنى إسناد الفعل إلى اللَّه تعالى في قوله: (ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ)؟ قلت: إذا طفئت النار بسبب سماوي ريح أو مطر، فقد أطفأها اللَّه تعالى وذهب بنور المستوقد. ووجه آخر، وهو أن يكون المستوقد في هذا الوجه مستوقد نار لا يرضاها اللَّه.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (أو يكون بدلاً من جملة التمثيل) أي: يكون تفسير المجموع قوله: (كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ) خمدت فبقوا متحيرين متحسرين؛ لأن حاصله وتلخيصه: ذهب الله بنور المنافقين، وتركهم في ظلمات لا يبصرون، والبدل كما علم في "الفاتحة" كالبيان والتفسير للمبدل.
قوله: (قد رجع الضمير في هذا الوجه) يعني: إذا كان الجواب محذوفًا، وكان (ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ) استئنافًا، أو بدلاً، يرجع الضمير في (بِنُورِهِمْ) إلى المنافقين، وأما إذا كان الجواب (ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ) لا يجوز أن يرجع إليهم، ولا بأس في تسميته بالوجه الثاني وإن كان مذكورًا أولاً؛ لأن كلا من الوجهين ثانٍ للآخر، كقوله تعالى: (ثَانِيَ اثْنَيْنِ إذْ هُمَا فِي الغَارِ إذ) [التوبة: ٤٠] أي: مصيرهما، ونظيره قوله في قوله تعالى: (وامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وأَرْجُلَكُمْ) [المائدة: ٦]: "فعطفت- أي: الأرجل- على الرابع المسموح".
قوله: (فما معنى إسناد الفعل إلى الله تعالى) دلت "الفاء" على إنكار أن يكون (ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ) جوابًا، يعني إنما جاز إسناد إذهاب نور المنافقين إلى الله تعالى؛ لأنه جزاء لفعلهم، وأما إسناد إذهاب نور المستوقدين فلا يجوز لكونه عبثًا والعبث قبيح، بناء على مذهبه.


الصفحة التالية
Icon