هو خارج على طريقة المجاز المرشح فأحسن تدبره. فإن قلت: هلا قيل ذهب اللَّه بضوئهم؟ لقوله: (فَلَمَّا أَضاءَتْ)؟ قلت: ذكر النور أبلغ لأنّ الضوء فيه دلالة على الزيادة. فلو قيل: ذهب اللَّه بضوئهم، لأوهم الذهاب بالزيادة وبقاء ما يسمى نوراً، والغرض إزالة النور عنهم رأساً وطمسه أصلاً،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (المجاز المرشح) يريد أنه لما استعار لإثارة الفتنة لفظ النار قفاها بالإضاءة، فإنها صفة ملائمة لها.
قوله: (والغرض إزالة النور) والحاصل: أن نفي القليل يوجب نفي الكثير، دون العكس، وفي معناه: (فَلا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ ولا تَنْهَرْهُمَا) [الإسراء: ٢٣]. قال صاحب "الفلك الدائر": هذا غير صحيح، فإنا تصفحنا كتب اللغة فلم نجدها شاهدة لما ذكر ولا الاصطلاح العرفي مساعد له.
وقال ابن السكيت- وإنه ثقة بالإجماع- في كتاب "إصلاح المنطق"، في باب فعل وفعل بكسر الفاء وضمها مع سكون العين باختلاف المعنى: النير: علم الثوب، والنور: الضياء فجعلهما شيئًا واحدًا، وليس في قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً والْقَمَرَ نُورًا) [يونس: ٥] ما يدل على الاختلاف. والجواب عن قوله: إن ابن السكيت جعلهما شيئًا واحدًا؛ هو أن ابن السكيت بين معناه الحقيقي بحسب الوضع لا الاستعمال، وقد تقرر في أول هذه الآية، أن هذا الاعتبار بحسب الاستعمال، وحيث قال: ومصداق ذلك قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً) الآية [يونس: ٥]، وأن الأصل ما ذكره ابن السكيت.