..................................
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقلت: كلاهما اتفقا على أن الجواب الأول هو المقصود في تفسير الآية، لأن المعنى: المهديون كثيرون في أنفسهم لأنهم كانوا جماً غفيراً، ولكن بالنسبة إلى الكافرين كانوا قليلين. وأما الجواب الثاني والبيت المستشهد به فليسا من المعنى في شيء، إذ لو أريد هذا المعنى لقيل: يُضل به قليلاً ويهدي به كثيراً. ويمكن أن يقال: إن المعنى يُضل به الناقضين الذين إن عدوا كانوا كثيرن، ويهدي به الكاملين الذين إن اعتدوا كانوا كثيرين كقوله: قليلٌ إذا عُدوا كثيرٌ إذا شدوا.
على أن سؤال المصنف المؤسس على قاعدته عن أصله مدفوع؛ لأنه إن أراد معنى العموم فقوله: (وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ) [سبأ: ١٣] مع سائر الأمثلة لا يقابل الكافرين؛ لأن ذلك القليل لا يوجد إلا في الأنبياء وأفراد المؤمنين، بل المقابل عامة المؤمنين من أمة محمد صلوات الله عليه الذين علموا أن ما يقوله حقٌّ وصواب، سواءٌ كانوا مطيعين أو عاصين، فيدخل فيه من سيق له الكلام دخولاً أولياً، وهو الذي يقتضيه النظم، وإن أراد خصوص السبب، فقد أبعد المرمى؛ لأن الكلام واقعٌ في الطاعنين في ضرب الأمثال، القائلين: أما يستحيي رب محمدٍ أن يضرب بالذباب والعنكبوت مثلاً؟ وماذا أراد الله بهذا مثلاً؟ وذلك أن الضمير في (أَنَّهُ الْحَقُّ) كما صرح به للمثل أو لـ"أن يضرب"، وفي "به" في "يضل به" "ويهدي به" كذلك، لما قال: (يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا) جارٍ مجرى التفسير والبيان للجملتين المصدرتين والطاعنون في ضرب الأمثال ما بلغوا مبلغ المؤمنين الذين حازوا قصب السبق، وشهد الله تعالى به في قوله: (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) [التوبة: ١٠٠] فضلاً عن أن يزيدوا عليهم.