قال: هذا كما قال أهل الكتاب: ليس علينا في الأميين سبيل. إنهم إذا أدّوا الجزية لم يحلّ لكم أكل أموالهم إلا بطيبة أنفسهم، (وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ) بادعائهم أن ذلك في كتابهم (وَهُمْ يَعْلَمُونَ) أنهم كاذبون (بَلى) إثبات لما نفوه من السبيل عليهم في الأميين، أي: بلى عليهم سبيل فيهم. وقوله: (مَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ) جملة مستأنفة مقرّرة للجملة التي سدّت (بلى) مسدّها، والضمير في (بعهده) راجع إلى (من أوفى)، على أنّ كل من أوفى بما عاهد عليه واتقى اللَّه في ترك الخيانة والغدر، فإنّ اللَّه يحبه.
فإن قلت، فهذا عام يخيل أنه لو وفي أهل الكتاب بعهودهم، وتركوا الخيانة لكسبوا محبة اللَّه. قلت: أجل؛ لأنهم إذا وفوا بالعهود وفوا أول شيء بالعهد الأعظم، وهو ما أخذ عليهم في كتابهم من الإيمان برسول مصدق لما معهم، ولو اتقوا اللَّه في ترك الخيانة لاتقوه في ترك الكذب على اللَّه وتحريف كلمه. ويجوز أن يرجع الضمير إلى اللَّه تعالى، على أن كل من وفى بعهد اللَّه واتقاه فإنّ اللَّه يحبه، ويدخل في ذلك الإيمان وغيره من الصالحات، وما وجب اتقاؤه من الكفر وأعمال السوء. فإن قلت: فأين الضمير الراجع من الجزاء إلى (من) قلت: عموم المتقين قام مقام رجوع الضمير. وعن ابن عباس: نزلت في عبد اللَّه بن سلام وبحيرا الراهب ونظرائهما من مسلمة أهل الكتاب
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (للجملة التي سدت (بَلَى) مسدها) وهي قوله: "بلى عليهم سبيل فيهم".
قوله: (وعن ابن عباس: نزلت في عبد الله بن سلام) يعني قوله تعالى: (بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ) الآية.
قوله: (وبحيرا الراهب) جاء على صيغة المكبر مقصوراً، وعلى المصغر ممدوداً، ورواية المعزي على المكبر، وأما حديثه فقد أورده الترمذي ورزين، عن علي بن أبي طالب، عن أبيه، أنه حدثه قال: خرجنا إلى الشام في أشياخ من قريش، وكان معي محمد صلوات الله عليه، فأشرفنا على راهب فنزلنا، فخرج إلينا الراهب، وكان قبل ذلك لا يخرج إلينا، فجعل يتخللنا حتى جاء، فأخذ بيد محمد صلوات الله عليه وقال: هذا سيد العالمين، فقيل له: وما علمك بما


الصفحة التالية
Icon