ويجوز أن يكون معناه ومعنى "تدرسون" بالتخفيف: تدرسونه على الناس، كقوله: (لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ) [الإسراء: ١٠٦]، فيكون معناهما معنى "تدرسون" من التدريس. وفيه أن من علم ودرس العلم ولم يعمل به فليس من اللَّه في شيء، وأن السبب بينه وبين ربه منقطع؛ حيث لم يثبت النسبة إليه إلا للمتمسكين بطاعته.......
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وفيه أن من علم) يعني: أدمج فيه هذا المعنى وأشير إليه؛ لأن المعنى الذي سيقت له الآيات هو ما يقال: لا يصح ولا يستقيم للبشر أن يمنح الكتاب ويرزق الحكم والنبوة ثم يقول للناس: اعبدوني من دون الله، ولكن الواجب عليه أن يقول: كونوا عباد الله وحده، فعدل عنه إلى قوله: (كُونُوا رَبَّانِيِّينَ) ليستقيم ترتب الحكم على تلك الصفة، لأن الرباني، أي: المتمسك بالدين والطاعة المعتصم بحبل الله المتين، لا يكون إلا عالماً عاملاً معلماً كما قال، فالمعنى المدمج: إيجاب طلب العلم على كل أحد من عباد الله ثم العمل به ثم إرشاد الناس إلى الطريق المستقيم، وإليه ينظر ما روي: "طلب العلم فريضة على كل مسلم"، ثم عدل في الدرجة الثانية من ظاهر قوله: (كُونُوا رَبَّانِيِّينَ) فدرسوا وعلموا إلى ما عليه التلاوة، لينبه على أن لا يجعل العلم والعمل ذريعتين للتفوق والتدريس وأن يكون المقصود الأولي منهما ذلك، بل يجعلان سببي العمل ومصححي النسبة بينهم وبين ربهم.
روينا عن الترمذي، عن كعب بن مالك، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من تعلم العلم ليجاري به العلماء، أو ليماري به السفهاء، أو يصرف وجوه الناس إليه، أدخله الله النار".