لأجل أني آتيتكم الحكمة وأن الرسول الذي آمركم بالإيمان به ونصرته موافق لكم غير مخالف. ويجوز أن تكون «ما» موصولة. فإن قلت: كيف يجوز ذلك والعطف على (آتيتكم) وهو قوله (ثُمَّ جاءَكُمْ) ـ لا يجوز أن يدخل تحت حكم الصلة، لأنك لا تقول: للذي جاءكم رسول مصدق لما معكم؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
والحاصل: أن أخذ الميثاق وارد على شيء له موجبان، أحدهما: قوله: (لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ) يعني: أنكم أهل كتاب وعلم تعرفون أمارات النبوة وشواهد على صدق من ادعاها، سيما وذكره مسطور في كتابكم، وثانيهما: قوله: (ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ)، وتقريره أن يقال: إن أصوله موافقة لأصولكم في التوحيد، ومع هذا هو مصدق للتوراة والإنجيل وأنهما من عند الله، فعلى هذا قوله: "لأجل أني آتيتكم"، تعليل لقوله: (لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ) لا لأخذ الميثاق فيجتمع عليه القسم، والسببان للتوكيد.
قوله: (كيف يجوز ذلك؟ ) أي: كيف يسوغ أن تكون (ما) موصولة على القراءتين وعطف قوله: (ثُمَّ جَاءَكُمْ) على (آتَيْتُكُمْ) مانع؛ لأن مثل هذا العطف يستدعي الموافقة بين المعطوف والمعطوف عليه في الحكم، والموصولة تستدعي الراجع من صلتها، وليس في قوله: (جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ) من راجع، وأجاب: أن (مَا مَعَكُمْ) و (مَا آتَيْتُكُمْ) شيء واحد، فصح العطف، فكأنه قيل: وجاءكم رسول مصدق له.
قال أبو البقاء: (لِمَا مَعَكُمْ) في موضع الضمير، قال السجاوندي: فكأنه قال: مصدق أو مصداق له، كما أن معنى قوله: (لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ) [يوسف: ٩٠]: لا يضيع أجرهم، لأن المحسن من يتقي ويصبر.


الصفحة التالية
Icon